يتحدثون عن الرجال الذين قطعوا مسافات طويلة, وطوت سفنهم بحار ومحيطات يفتخرون بأن بلد تجلس خلف القارة الاوروبية استطاعت في يوم ما ان تصنع رجالا اسود للبحر , وفاتحين لموانىء بعيدة وعصية يصعب الوصول اليها بكثير من البشر في ذلك الزمن المنصرم , يتحدثون ايضا بحب عن السفن العظيمة ذات الاشرعة الكثيرة التي قطعت مسافات طويلة وخاضت صراعا مريرا مع العواصف وأهوال البحار والمحيطات, حتى ان هذه السفن اصبحت رمزا شعبيا للدلالة على العزيمة القوية والتاريخ الطويل مع الابحار والعزيمة التي لا تلين. يقولون: انهم هزموا البحر وكل المحيطات وان هذه الاشرعة المربعة هي عنوان قوة رجال المحيطات. حتى ان اعمدة انارة الشوارع , وعلى امتداد طرق المدينة تحمل فوق قمتها مجسما للسفن الشراعية القديمة ذات الاشرعة الكثيرة. هكذا يفخر اهل البرتغال بماضيهم البحري يقرأون التاريخ بصورة مختلفة عن قراءة كل الشعوب التي كان لها في يوم ما يدا طويلة, امتدت خلف البحار لتفرض سطوتها وسيطرتها ثم نهبت وسلبت كل شيء وعملت جاهدة على ان يكون لها تأثير او سلطة او على الاقل ان تظل تلك الشعوب خاضعة او تابعة الى الأبد. واذا كان لابد ان نؤكد ان كل وجوه الغزاة واحدة, وان الشعوب وحدها هي التي تحدد الانتماء والمصير, فان على الاقل تاريخ الغزوات البرتغالية في منطقة الخليج العربي قد درجت بعد صراع طويل. البرتغاليون لايتحدثون في الازمنة الحديثة عن اهمية تلك الفترة, بل يعتبرونها مرحلة صغيرة, ومحطات مزعجة كانت تأخر غاياتهم وهدفهم الاكبر, وهو العبور الى الهند والصين والبلاد البعيدة الغنية بالثروات في ذلك الوقت. ان هذه المحطات كما يزعمون مجرد مراس صغيرة لتلك الرحلة العظيمة في نظرهم. على الرغم أن التاريخ يؤكد ان هذا الصراع المرير الذي دار بين هؤلاء الغزاة واهل البلاد, وعلى الخصوص في ساحل عمان ومنها الامارات بطبيعة الحال, لم تكن مجرد مناوشات عابرة, ولكن بين غازي محتل وبين رؤوس لاتؤمن الا بالارض والحرية. ولعل المعنيين بامر ذاكرة التاريخ من البرتغاليين, الآن مدركين ان لا اهمية للتوقف عند هذه المحاور, وان الزمن الآن يتحدث عن صلات الشعوب منذ القدم وان تلك الرحلات القديمة بها شيء من ذاكرة الاتصال, وقد تكون لها افرازات مفيدة حتى لو كانت قليلة , حيث يمكن تطويرها في هذا العصر الذي يقرب الشعوب من بعضها ويوحدها في منظمومة عالمية, خاصة في وقت يتحدث فيه العالم عن العولمة وتواصل البشرية. ان شيئا من جوانب هذه الرؤيا يعزز روح الاخوة والمحبة والود بين الشعوب, وان شيئا ما من التواصل والتفهم لظروف كل شعب. لذلك فان الكثير من هذه الصلات يمكن ابرازها وتوضيح اماكن القوة والربط الذين ظل مستمرا وممتدا رغم السنوات الطويلة من عمر انقطاع تلك الروابط والصلات. خاصة بين العرب والبرتغاليين, حيث لم تزل بعض اشارات التبادل الثقافي والمعرفي واضحة في الثقافة البرتغالية واهمها بعض الكلمات العربية والمصطلحات واسماء بعض الشوارع والمدن, وهو ما يؤكد قوة تلك الصلات على الرغم من فترة الانقطاع الطويل بين الشعبين العربي والبرتغالي. لقد لاحظت وأنا اشاهد ماعرضه البرتغاليون اثناء زيارة المتحف البحري, والذي قدم عروضه السينمائية التاريخية في لشبونة انهم يفخرون بتلك الرحلات الطويلة التي قام بها فاسكوديجاما والغزاة البرتغاليين والذين يقدمونهم على انهم رحالة للتواصل مع الشعوب التي تسكن خلف البحار البعيدة. يصورون تلك الرحلات بانها تواصل ثقافي ومعرفي, لم يعرضوا اي صراع بين سفنهم وجنودهم واهالي البلاد التي دخلوها, بينما يعلم الجميع اي بطش قام به البرتغاليون على الاقل في ساحل عمان. نستطيع ان نتفهم حرص البرتغاليين في هذه المناسبة (ذاكرة البحر واكسبو لشبونة) من عدم عرض كل اجزاء التاريخ, وعلى الخصوص مع الامارات التي قدمت مشاركة فعالة تحدثت فيها عن ذاكرة البحر من خلال الصلات القديمة مع البرتغاليين, من خلال البحار احمد ابن ماجد, والعون الكبير الذي قدمه لفاسكوديجاما, حيث اوصل البرتغاليين الى الهند وهي المحطة الهامة التي كان يسعى اليها فاسكوديجاما. والجميع يعلم بان لايمكن ان يتم هذا الفتح لو لم يقدم احمد بن ماجد كل خبراته ومعرفته بالبحار والممرات المائية. اذا المناسبة ليس عرض للتاريخ بحلوه ومره, واعتقد خيرا فعل المتحدثون الذين مثلوا الامارات, عندما ركزوا حديثهم عن الصلات التاريخية والثقافية تم التعريف باحمد ابن ماجد وصلاته القوية مع فاسكوديجاما, وكما قدمنا فان البرتغاليين ايضا كانوا حريصين, بان لايثيروا أوجه الفتوحات او صراعهم مع الشعوب فقد قدموا نماذج من عادات الشعوب القديمة التي سجلها الرحالة , البحارة عن العرب والهنود والصينيين. ومن اهم الاشياء التي تحدثوا عنها والتي سجلها العرب ايضا, وتحدثوا عنها في الكثير من الاساطير والروايات القديمة , على الخصوص في منطقة الخليج العربي, وهو بحر الظلمات والصراعات المريرة التي يخوضها البحاره مع عجائب هذا البحر خاصة الاعاصير والامواج العاتية. والتي خرج منها الكثير من التصورات والتداعيات لصنوف الرعب الذي يجتاح البحاره, حيث يصفون بان هناك قوى هائلة وضخمة تخرج من البحر لتدمر السفن وتسجن البحارة, وان عبور هذا البحر الذي يقع في المحيط الهندي يعتبر ولادة جديدة للانسان. هكذا تتوحد الصور عندما يتعلق الامر بشيء خارج الرؤيا والادراك, تماما مثل الميتافيزيقيا المهنية على اذهان البشر. ايضا يتحدث البرتغاليون عن مهندس قديم بنى واسس مدينة لشبونه ولكن عندما وضع الاساس للمدينة والشوارع التي نفذها, وجد فيها الناس بأنها واسعة بشكل لايقبله عقل في ذلك العصر القديم. فقد اتهم بالجنون والغباء , وانه صاحب خيال لايتماشى مع الواقع, وانه بهذه الطريقة يهدر الاموال ويتعب الناس في قطع كل هذه المسافة من رصيف الى آخر حيث طرد وكان مادة للسخرية والهزء. ولكن تدور الحياة وتتغير الازمنة, ثم تأتي السيارات والعربات وتزدحم مدينة لشبونة عندها يدرك الناس بان هذا المهندس الفنان كان هو صاحب الرؤيا البعيدة والحالمة بان تكون لشبونة مدينة كبيرة وواسعة. لذلك نصب له تمثال في وسط المدينة والشوارع التي قام بوضع تصاميمها الجميلة تعويضا عن ذلك الرجم بالجنون والغباء. ايضا في البرتغال الكثير من الميادين التي تحمل تماثيل لكل الابطال التاريخيين, وعلى رأس هؤلاء فاسكوديجاما , وبما انهم يفخرون بانهم امة بحرية فان الكثير من الشواهد والمناظر تؤكد وتعزز ذلك, بل حتى ان المناسبات الجميلة, مثلا (معرض اكسبو 98) قدم فيه البرتغاليون كل شيء ينتمي للبحر, من سفن قديمة الى المعارض الخاصة والتراث البحري, والغنائم التي عاد بها البحارة من البلاد البعيدة. كثير من المدن تقرأ تاريخها من شوارعها وميادينها ومرافقها العامة والخاصة. تجبرك الشوارع والميادين والساحات ان تسأل عن التاريخ والمدينة والناس عن القديم والجديد, فالتاريخ دائما يسكن بين الناس وفي صدورهم , ليس بالضرورة في المتاحف في كثير من المدن ما تعتز به الشعوب وتقدره وتجله يجسد في اهم المواقع واكبر الساحات, حيث يطل عليك الابطال والعلماء الذين يسكنون في ذاكرة الناس, فقد تحمل الشوارع اسماؤهم وتحتل تماثيلهم اجمل المواقع والميادين. ماذا لو حمل ميدان من ميادين رأس الخيمة مثلا تمثالا للبحار احمد بن ماجد تكريما وتخليدا لهذا العالم الجليل, او نصب تمثال في ساحة احدى مدن الدولة للماجدي بن ظاهر او اقيم في بعض الميادين العامة مجسم رمزي لبحار او مزارع. كل مدن العالم وميادينها تحمل رموز تاريخها, وحدها هذه المدن الصحراوية لا تعرف فن التعبير عن حضارتها على الرغم بان الجزيرة مهد حضارات عريقة وتاريخ مجيد.