الوقوف على حال المسرح العربي في لحظته الراهنة.. اقتضى تلك المكاشفة مع الكاتب المسرحي والشاعر اللبناني بول شاوول, كواحد من أهم المسرحيين العرب الذين تبلورت اسهاماتهم على المستوى الابداعي والنقدي . وحول رؤيته الخاصة بالمسرح التجريبي وامكانية ارتياده آفاقا جديدة.. والدور النقدي الوسيط بين الجمهور والمسرح والعوامل الدافعة لكسر (التابوهات) والأنماط السائدة من أجل اعطاء أحجام أعمق للتجريبية العربية.. وفيما يلي نص الحوار: - في السنوات الأخيرة عانى المسرح العربي من حالة هروب جماعي إلى السينما والتلفزيون, فما دلالة ذلك بعد قرن ونصف من الحضور المسرحي؟ ــ المسرح العربي يعيش حالة انهيار مرعبة والمسرحيون الذين صنعوا عصوره الذهبية هم أنفسهم الذين يدمرون ما صنعت أيديهم.. وإذا أردنا احصاء الأعمال المهمة في العالم العربي المكون من 22 دولة و200 مليون نسمة نجد انه ليس عندنا سوى أربع أو خمس مسرحيات مهمة أو جدية, وهذا لم يكن يحدث في الثمانينات.. فالحالة المسرحية أو اللاحالة المسرحية هي الطاغية. أما الشغف والحب والجنون بالمسرح فلم يعد موجودا بعض المسرحيين تعبوا, وأحبطوا ثم تحولوا لموظفين والبعض الآخر ذهب للتلفزيون والسينما من أجل المال والشهرة الزائفين.. لهذا أتعجب من المناداة بعودة الجمهور إلى المسرح رغم ان أهل المسرح هجروه.. وكيف نطلب من الجمهور أن يخلص للمسرح ما دام أهله خانوه.. نحن نعرف عندما نقول هذا الكلام صعوبة الظروف المادية والفنية والثقافية ولكن هذه مبررات ليست كافية لهذا الانكفاء. معاناة مسرحية - تنعقد الآمال على المسرح التجريبي في أن يحقق دائرة أوسع من التأثير والانتشار, ما رأيك؟ ــ نحن نتمنى أن تجري الأمور على هذا النحو, ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. ففي صحراء نهايات هذا القرن وفي احباطاته, وفي أزمانه, وفي شحوب الأفكار والأحلام, يبدو ان الأشياء العظيمة باتت وراءنا لا أمامنا, وان الحلم بمسارح تجريبية كالتي شهدناها عندنا في منتصف الخمسينات في مصر, وفي الستينات والسبعينات في لبنان, وفي سوريا والمغرب العربي وبعض أقطار الخليج, لن يكون أكثر من حلم, وأكثر من حنين, والوضع في أوروبا وفي أمريكا لا يختلف كثيرا فمسرحهم التجريبي والطليعي والثوري, وراءهم أيضا, في الخمسينات في الستينات والسبعينات وأكاد أقول ان المعاناة المسرحية في العالم كله باتت متشابهة, مع الاحتفاظ بالفروقات النسبية. - وكيف ينهض التجريب على ضوء المتغيرات التي اجتاحت العالم مؤخرا؟ ــ التجريب لا يتوقف عند رؤية معينة بل يتطور بذاته وفي ذاته وخارج ذاته.. إنه لحظة الحاضر التي تخترق المستقبل, حيث لا سقف له ولا خطوط حمراء ولا توابيت, لهذا يتوجه التجريب إلى الماضي.. كما يتوجه إلى الحاضر ويتطلع للمستقبل, فالتجريب من مميزاته الأساسية انه إذا تناول أي موضوع أو أية مادة فإنه يتناولها بحساسية ذاتية خاصة وراهنة, فعندما نجرب على نص لشكسبير, ليس من المفيد أن نعيد انتاجه كما قدم في أيامه وإنما كما نراه اليوم أو كما يراه المخرج أو العمل الجماعي للفرقة فننقل شكسبير من اطاره الزمني إلى اطاره الحاضر.. وعندما نجرب على التراث الشعبي القديم أو الطقوس أو النصوص والتقاليد فمن الضروري تحويلها إلى مفردة مسرحية تتخذ رؤى جديدة اخراجيا وجماليا ودراميا. التجريب والجمهور - في ظل طغيان المادة وانحسار الأحلام الكبيرة أليس من الأجدر أن يتعاظم الدور التجريبي؟ ــ المسرح التجريبي في جوهره ضد السوق, ضد التسليع وضد قيمه, التي تنفي الإنسان كجوهر للعلاقات وتنفي المسرح (الحقيقي) كتعبير عن حضور الإنسان خارج الأنماط السائدة.. لهذا ربما, وبعدما انقضت ايديولوجيا وأحلام وثورات وطموحات, وتساقط ما تساقط من أفكار, وتسلع ما تسلع من فنون, يبدو المسرح التجريبي في حاجة أولية إلى مقاومة انقراضه أكثر مما يحتاج إلى مقاومة مؤسسات وبني ترعاه. - كيف يتحرر المسرح التجريبي من العروض المغلقة وينفتح على قاعدة جماهيرية أوسع؟ ــ ينبغي أن ننزع من رؤوسنا فكرة ايجاد معادلة بين التجريب والجمهور فهما ضدان لا يلتقيان, فالتجريب له جمهوره المحدد والمسرح التجاري له جمهوره العريض, وأحيانا لا يلتقي هذان الجمهوران.. كانت المسألة هكذا وستبقى هكذا, وهذه ميزة لصالح التجريب فيجب ألا يصبح جزءا من الذوق السائد والا لن يصبح تجريبيا.. والتاريخ يشهد ان التجريب دائما بلا جمهور الا في استثناءات قليلة ترتبط بظروف أو قضايا تاريخية معينة. - إذن ماذا يفعل التجريب في عزلته وارتباطه بجمهور خاص؟ ــ الجمهور يأتلف مع ما يعرفه وما اعتاده من أفكار وصور وقضايا, والتجريب أحيانا يصدم الجمهور بأدواته وحلوله ونصوصه المختلفة.. فكل شيء يحتاج إلى وقت كي يدخل في سياق الذاكرة الجماعية أو الارهاص الجماعي العام, لذلك فالجمهور يحتاج إلى ثقافة متراكمة كي يستوعب التجريب, وهذا ما ليس متوافرا عند القاعدة العريضة التي تذهب إلى المسرح الذي يرفه عنها ويقدم لها القضايا بتبسيط وسهولة.. مثل مسرح عادل إمام أو سمير غانم أو دريد لحام, فهؤلاء يمتعون الجمهور بظرفهم ويستجيبوا له ومعه وربما تستمر هذه المسرحيات ست أو سبع سنوات بينما لا يؤم العمل التجريبي الطليعي سوى عشرات الأشخاص. وشائج خاصة - تكتب الشعر والمسرحية أيهما أكثر اقترابا من سمات التجريب؟ ــ لقد كتبت مسرحيات عديدة ولكن الصفة التجريبية ظهرت في (الحلبة) و(الزائر) و(النظارات) وبعض العروض الايمائية الأخرى التي كتبتها مجربا على النص وعلى الرؤية للتعبير عن القضايا العامة كالحروب بصفة خاصة.. كما ان شعري يحمل هذه الصفة التجريبية, فقصيدة شعري ونصي المسرحي بينهما علاقات ووشائج خاصة. - كيف ترى آفاق المسرح التجريبي على ضوء المنجز النصي والاخراجي؟ ــ إن اختيار المادة المسرحية, وحرية استنباط الحلول الاخراجية والأدائية لها, وحرية التعامل بين المجموعات المسرحية, وحرية استخدام المادة المسرحية, وحرية استخدام الجسد, وحرية مقاربة مواضيع دقيقة كالجنس والقضايا الميتافيزيقية وتركيب وآلية الأنظمة, والأجهزة, والغوص على عميق الدلالات والهواجس والحالات الإنسانية إن حرية هذه الاختيارات وبكيفيات وكميات أكبر, كان من شأنها اعطاء احجام أعمق للتجريبية العربية, وتفتيق أوسع لاحتمالات التجريب, وكسر أحد (التابوهات) وعادات الواقع وقيلولاته التاريخية, على ان كل ذلك يبقى من باب الافتراض, لان ثمة عوامل أخرى غير الديمقراطية, كان يمكن أن تتحكم بتفجيرات التجريب... أقول ما سبق دون أن أغفل ان التجريب لا يقتصر على الاخراج فقط.. ولكن هناك أسماء عربية عديدة في مجال التأليف أظهرت رؤية تجريبية مثل: يوسف إدريس, سعدالله ونوس, الطيب الصديقي, الفريد فرج, إبراهيم مظلوم وغيرهم. مشكلة النقد - يتحدث البعض عن وساطة نقدية بين المسرح والجمهور ما رأيك؟ ــ حركة النقد لعبت دائما دورا وسيطا بين المسرح والجمهور واستطاعت أن تقرب ما تيسر من المسافات.. خاصة المسرح الطليعي.. لهذا فالحركات المسرحية التي كانت مرفوضة في الستينات مثلا صارت اليوم مقبولة, وما هو مرفوض اليوم سيكون مقبولا غدا بفضل النقاد والمجلات المتخصصة.. غير ان الناقد لا يستطيع أن يكون جسرا بين الجمهور والمسرح وحده, فهناك المدارس والجامعات والإذاعة والتلفزيون.. إلى آخره.. وأعتقد ان الجامعات بصفة خاصة تقف حائلا بين الجمهور والمسرح الطليعي, لانها تتمسك بالقيم القديمة للمسرح, ولا تساهم في صنع التيارات الجديدة. - ما هو تقييمك لحركة النقد المسرحي العربي؟ ــ يواجه النقد المسرحي في الوطن العربي مشكلة كبيرة رغم وجود أسماء نقدية جيدة مثل د. إبراهيم غلوم, من البحرين وهو ناقد يتمتع بثقافة نظرية واسعة إلى جانب ثقافته التطبيقية المسرحية الواسعة كذلك في المغرب د. عبدالرحمن بن زيدان, ومن مصر د. نهاد صليحة ورغم تلك الأسماء وغيرها, فالنقد المسرحي بائس جدا, لانه يخضع لظروف وعناصر كثيرة منها الموضوعية والعلاقات الخاصة وضعف الثقافة المسرحية. مسرح عالمي - هل استطاع المسرح العربي أن يؤصل تجربته خلال مسيرة قرن أو يزيد؟ ــ بالطبع هناك مسرح عربي حقيقي, وعندنا انجازات كبيرة على امتداد مائة وخمسين عاما, وظهرت جهود مسرحية حقيقية في سوريا ولبنان وتونس والمغرب والجزائر والعراق ومصر والبحرين وغيرها من البلدان, حيث قدمت أعمال هامة وطليعية توازي أحيانا بعض ما قدم في الغرب.. وهنا تحضرني بعض الآراء التي تزعم ان هذه الأعوام الطويلة لم تكن كافية لتأصيل المسرح العربي وهذا كلام مردود فإذا لم نكن قد صنعنا مسرحا يعبر عنا خلال مائة وخمسين عاما فلن نصنعه خلال ألف وخمسمائة عاما. - ألا ترى ان المسرح العربي لم يحقق مكانة مرموقة على المستوى العالمي؟ ــ حقيقة لا أجد مشكلة حول قضية مكانة المسرح العربي عالميا.. فالغرب له حساباته وذوقه الخاص وهمومه ومقاييسه وسياساته.. وفي رأيي ان كل مسرحية مهمة عندنا هي بالضرورة مسرحية عالمية ولو لم يعترف بها المشاهد الغربي.. فالغرب ليس بريئا في أحكامه وليس ديمقراطيا كما يدعي, فديمقراطيته تبيح له أحيانا أن يلغي الآخر.. وأعود لأكرر ان العالمية تكمن في كل عمل جيد وطليعي يطرح رؤية جديدة مهما كانت محلية. القاهرة ــ البيان