يمكننا القول ان الثقافة القومية هي ذلك الجزء من الثقافة الموجودة في بقعة جغرافية معينة. هي عموما الوطن الذي له أثر توحيد السكان الموجودين في تلك البقعة الجغرافية المعينة ضمن اطار ثقافي واحد. بكلمات أخرى, الثقافة القومية هي تلك الثقافة التي يشعر بالشراكة فيها كل الذين ينتسبون إلى قومية واحدة, والتي تؤثر في هؤلاء المشاركين تأثيرا توحيديا باعتبارها مرجعا لهم جميعا . ومحتويات تراثنا الثقافي العربي تتجلى في الشعر الجاهلي والقرآن الكريم والسنة المجمع عليها التي استنها الرسول العربي صلى الله عليه وسلم والتابعون. ويدخل الفلاسفة والأدباء مثل المتنبي وأبي العلاء المعري وابن خلدون وغيرهم, ولا ننسى (الفولكلوريات) المجسدة لبعض ما عانى منه وتمتع به العرب. وأخيرا, لابد لنا أن نعتبر من تراث الثقافة القومية العربية تلك البدايات الأولى المجمع عليها قوميا في النهضة العربية الحديثة والتي تمثل في أساس ما تمثل ثورة الحس العربي إزاء التدخل الأوروبي الحديث وازاء حالة التخلف التي عاشها العرب في ظل امبراطورية الخلافة العثمانية. وإذا ما تساءلنا, ما هي الثقافة المحلية عامة, والثقافات المحلية في الوطن العربي خاصة؟ قلنا, ان الثقافة المحلية هي تلك الثقافة التي لا يشعر بالشراكة فيها كل الذين ينتسبون إلى قومية واحدة, بل فئة منهم فقط. وتمتاز هذه الثقافة انها لصيقة بالمنتسب إليها أثيرة لديه, قريبة إلى قلبه. ففي هذا المعنى, تراها تختلط جدا بالذكريات الشخصية للفرد في مجتمعه الأضيق, وبهذا الاعتبار, فهي بالغة الدلالة في أثرها التكويني على البنية النفسية للمنتسبين إليها. ولنلاحظ في الثقافات الأوروبية ظاهرة جديدة تترتب عليها آثار كثيرة ألا وهي ظاهرة ثورة الاهتمام بالثقافات المحلية وتيقظ المنتسبين إليها, إلى أبعادها, ومحاولتهم استخلاص نتائج سياسية منها. فهناك ظاهرة ثورة الباسك في اسبانيا وفرنسا, والشعور الغالي في انجلترا والشعور الاسكتلندي. والآن, إذا نظرنا إلى الثقافات المحلية في الوطن العربي وجدنا بين أيدينا عددا لا يحصى من هذه الثقافات التي تتنوع بالطبع في أهميتها, ولكن ما مصادر هذه الثقافات. أولا نقول, في محاولة تصنيفية وما يهمنا كعرب, ليست المعايير التاريخية أو الجغرافية, بل معايير المقومات الموضوعية للوجود العربي والأمة العربية. وأولها معيار مقوم اللغة الذي يختلط بالعنصر. تندرج في حقل الثقافات المحلية اللغوية ــ العنصرية قائمة طويلة من الحالات, بعضها يبدو مستعصيا بالفعل, وبعضها قد يكون كذلك بالكمون, وبعضها أدنى شأنا مما سبق. في الحالة الأولى تقع المسألة الكردية ومسألة جنوب السودان وغيرها. وفي الحالة الثانية بالتأكيد مسألة البربر في المغرب والجزائر, والبربرية كما هو معروف, تكتب منذ مدة ليست طويلة بالحروف اللاتينية. أما في الحالات الأدنى شأنا فتقع مثلا مسألة الأرمن, والطوارق (التوارك) في ليبيا وغيرها. ولتلاحظ ان كثيرا من الثقافات المحلية العربية تستمد بعض حيويتها من اللهجات المحلية. فإذا انتقلنا إلى معيار اللغة ــ العنصر إلى معيار التاريخ ــ والتاريخ عموما هو المقوم الموضوعي الثاني للقومية العربية ــ وجدنا ان هذا التاريخ يختلط أحيانا بعامل الدين, ولو إلى حد أدنى من اختلاط اللغة بالعنصر. بمعيار التاريخ ــ الدين يخرج معنا قائمة طويلة من الثقافات المحلية في الوطن العربي أهمها الثقافات الدينية غير الإسلامية, والثقافات الطائفية بين المسلمين التي كانت في حالة تنافس سياسي عام تاريخا. ولدينا بمعيار مقوم الوحدة الجغرافية للقومية العربية اختلاط بالمعيارين السابقين, فمن الواضح أن عنصرا معينا يسكن أكثر الأحيان منطقة جغرافية واحدة وكذلك المنتسبون إلى ثقافة تاريخية ــ دينية واحدة ــ والثقافة المحلية القائمة على أساس جغرافي أمر معروف في الوطن العربي منذ القديم. وأخيرا لدينا معيار رابع كمقوم للقومية العربية هو معيار المصالح المشتركة, وهو معيار محيطي حديث نما نتيجة ظروف متنوعة (سياسية واقتصادية خاصة) خلال القرون الأخيرة, السياسي يتمثل في الاستعمار العثماني, ثم الأوروبي بعده, والاقتصادي يتمثل بالتطورات الاقتصادية التي أتتنا حديثا. ومما لا شك فيه ان الاستعمار العثماني خلق في كل البلاد العربية التي سيطر عليها نضيدة ثقافية (Cultural Layer) ما نزال نرى أثرها في الأقطار التي دخلها, لا كذلك ثمة عناصر ثقافية محلية مشتركة بين كل البلدان العربية التي خضعت للاستعمار الفرنسي, والأخرى التي خضعت للاستعمار الانجليزي وغيرها من التي خضعت للاستعمار الايطالي. وأخيرا فلا شك ان كل دولة عربية الآن, بظروفها السياسية, تكاد تشكل ثقافة محلية خاصة متميزة بتعابيرها السياسية الخاصة. في الحدود الدنيا لهذه الثقافات نجد مثلا ثقافة اقتصاد القطن في مصر بأثر اللورد كرومر, وثقافة اقتصاد السياحة في لبنان, وثقافة اقتصاد كروم العنب في الجزائر. أخيرا, نقول ان الثقافات المحلية هي نتاج مصادر عديدة متقاطعة. فالثقافة المحلية القائمة على معيار اللغة ــ العنصر قد يكون لها تاريخها ودينها المستقلان, وأرضها الجغرافية المحدودة, ومصالحها السياسية والاقتصادية الخاصة. وبالطبع كلما قامت ثقافة محلية على مجموعة من هذه المعايير كلما كانت أشد تماسكا داخليا وكلما ازدادت استثارتها لمخاطر قومية.