قد تغفر أمريكا لرئيسها نزواته الجنسية و(بهدلته) لمقام الرئاسة التي وصلت الى اذلال الرئيس بالمثول أمام المحلفين والاجابة على تساؤلاتهم حول تفاصيل العلاقة الجنسية التي أقامها مع الآنسة (مونيكا). بل وصلت(البهدلة)ان يطلب محامي غانية أخرى ان يمثل الرئيس أمام المحلفين عاريا ليتأكدوا من علامات في جسده حتى يعرفوا صدق ادعاءات موكلته! قد تغفر أمريكا ذلك لأسباب كثيرة.. منها نجاح كلينتون في تحقيق تحسن ملموس في الأوضاع الاقتصادية, وهو ما يهم المواطن الأمريكي في الأساس, ومنها ان الأمريكان يعلمون ان رؤساءهم جميعا لم يسلموا من الشبهات الجنسية, وكلهم اتخذوا لهم عشيقات وقاموا بالمغامرات النسائية.. ربما باستثناء الرئيس كارتر على سبيل التأكيد, واثنين أو ثلاثة على سبيل الترجيح! وكان الأمريكيون يتسامحون مع هذه العلاقات ومازالوا.. باعتبار انها خارج الموضوع, وان من حق المسؤول ان يفعل ما يشاء في شؤونه الخاصة بشرط ان تكون بعيدة عن شؤون الحكم, والقول الأثير هنا ان الناس تنتخب الرئيس لكي يحكم جيدا.. وليس من أجل ان يكون زوجا صالحا!! قد تغفر أمريكا.. بل المؤكد انها ستغفر الا اذا ثبت ان كلينتون كان يكذب بهدف تضليل العدالة. وحتى في هذه الحالة قد يبقى في منصبه لأن خصومه ــ وليس أنصاره ــ سيريدون ابقاءه كي يظل هدفا لحملاتهم وكي يقضوا على فرص نائبه في ان يخلفه في الحكم. غفران أمريكا ليس مشكلة, وإنما السؤال هو: هل تغفر هيلاري؟.. هل تغفر الزوجة المجروحة؟.. هل تنسى لحظات الاهانة والمهانة وزوجها يقف على شاشات التلفزيون مساء ذلك اليوم الشهير (17 أغسطس) ليتكلم بعد ان ينام أطفال أمريكا حتى لا يسمعوه وهو يتحدث عن علاقته بالآنسة مونيكا ومغامراته معها داخل البيت الأبيض؟! ان الكل يتحدث الآن عن شجاعة هيلاري وصلابتها ووقوفها بجانب زوجها في محنته, وليس هذا بغريب على هيلاري.. فالكل يعرف انها الطرف الأقوى في العلاقة مع كلينتون, وهي التي حققت المعجزة وصنعت من رجل (بسيط) زعيما لأكبر قوة في التاريخ. وهي التي ضحت بمستقبل مهني باهر كان ينتظرها كواحدة من أنجح المحاميات في أمريكا, وبمستقبل سياسي كانت أبوابه مفتوحة أمامها منذ ان بزغت كقائدة في الحركة الطلابية بالجامعة, ثم كمقاتلة بارزة في الحركات المدافعة عن حقوق المرأة.. ضحت بذلك لأنها رأت انها قد تستطيع كزوجة للرئيس ان تقوده الى حيث ينجز الكثير من طموحاتها في تحقيق اصلاحات اجتماعية كبيرة في مجالات الصحة والتعليم ورعاية الأقليات ومكافحة الفقر.. والفقر في أمريكا موجود وقاس ويزداد وطأة في ظل الرأسمالية المتوحشة التي قادها ريجان ومازالت مستمرة في ظل نظام عالمي لا يعرف الرحمة ولا العدل! وعندما حقق كلينتون المفاجأة وهزم بوش وقفز الى البيت الأبيض, قيل ان هيلاري هي الرئيس الحقيقي, وان كلينتون هو مجرد الرجل الأول! وعندما بدأت هيلاري محاولاتها للاصلاح الاجتماعي تصدى لها اليمين واتهموها بأنها (راديكالية) أكثر من اللازم. وفي الوقت الذي كان كلينتون يلجأ فيه الى الحلول الوسط ومحاولة ارضاء الجميع, كانت هي تتصدى لليمين المتعصب الذي يعيش أزهى أيامه في أمريكا. وفي قضية مونيكا, وبينما كان الرئيس يراوغ ويتهرب, ويكذب ويتجمل, ويرسل المراسيل للعاشقة العنيدة حتى لا تعترف, ويبذل المستحيل لكي يمنع الفضيحة.. كانت هيلاري تلجأ للهجوم وتعلن بحسم: انها مؤامرة عليها وعلى زوجها من اليمين المتعصب حتى لا ينفذا ما لديهما من برامج اجتماعية لصالح الطبقات غير القادرة. وكان هذا بالطبع قبل ان يذهب الزوج تحت الحصار لكي يعترف بأنه كذب وبأنه أقام علاقة مع مونيكا مازال الخلاف قائما على حدودها. ورغم الجرح الذي أحست به هيلاري فقد أعلنت وقوفها مع زوجها في محنته.. ولكن الى متى؟... هذا هو السؤال!! ولا أحد بالطبع يملك الاجابة الا هيلاري نفسها, وموقفها يدعو للحيرة حقا. فهي ــ من ناحية ــ تعرف ان زوجها (عينه زايغة) ولا يمكن ان تكون علاقاته المتعددة منذ ان كان سياسيا ناشئا في أفقر ولاية أمريكية بعيدة عن نظر زوجته. ويبدو انها قررت ان تغمض عينيها عن هذه الناحية فيه لتلعب دور الأم والمستشارة والناصحة والقائدة بدلا من العاشقة الولهانة. وهي من ناحية اخرى حريصة على ابنتها التي تمر بسن خطيرة, وحريصة على مكانتها وعلى الصورة التي كونتها لنفسها كأقوى امرأة دخلت البيت الابيض. وبين هذا وذاك, لا شك أن هيلاري تتمزق الآن, لقد غفرت له الكثير من العلاقات العابرة قبل ذلك. وربما كان صحيحا ما قيل عن خلافات منزلية عديدة حول هذه العلاقات, ولكنها كانت تنتهي بأن تسير الحياة لسبب أو لآخر. وقد يكون صحيحا أنهما متفقان على الانفصال الفعلي مع الاحتفاظ بالشكليات, ولكن الشكليات كانت تحفظ كرامة الاثنين. أما الآن فالوضع يختلف.. الفضيحة بالصوت والصورة وعلى شاشات التلفزيون وفي الصفحات الاولى. والزوج كذب على زوجته كما كذب على الأمة كلها, وجعلها تدخل معركته بقدم ثابته وتعلن أنها مؤامرة من اليمين تعتمد على أكاذيب.. فاذا بالأكاذيب هي الحقائق. فهل ستغفر هيلاري؟ هل ستغفر لزوجها ما ألحقه بها من إهانة, وما سببه لابنتهما من آلام, وما جلبه على الاسرة من العار؟ هل ستغفر له أنه حطم التمثال الذي صنعته بيديها وجعلت منه حاكما لاكبر وأقوى دولة عرفها التاريخ فاذا به يخرج بفضيحة ولا كل الفضائح؟ هل ستغفر له أنه ألحق الأذى بطموحاتها الشخصية في أن تلعب دورا اكبر في تاريخ امريكا.. خاصة بعد انتهاء ولايته, حيث ينفتح أمامها الباب للعمل السياسي لحسابها هذه المرة, والبعض كان يرشحها لتحتل مكانا وزاريا رئيسيا في اي حكومة ديمقراطية قادمة. بل ان البعض كان ينادي بأنه قد آن الآوان لكسر الحواجز لكي يصبح رئيس امريكا.. إمرأة؟.. وقد تغفر هيلاري (السياسية) لأنها تعرف ان السياسة ليس فيها أخلاق. وقد تغفر هيلاري (الرئيسة) لانها تعرف أنها اختارت رجلا لا يتمتع بأية مميزات لتصنع منه زعيما, ومع ذلك ظل كما هو وقد تغفر هيلاري (الزوجة) لانها تعودت على نزوات الزوج, ولأنها حريصة على الا تضيع منها الابنة. ولكن (المرأة) هيلاري لن تغفر أبدا!