أحب دعوة عند الأم لولدها ان يستره الله, ويستر عرضه في دنياه ولكن يبدو ان السيدة المحترمة والدة الرئيس كلينتون لم تدع لولدها بالستر أو لعلها دعت ولكن الله لم يستجب . فلم يعرف التاريخ, قديمه وحديثه, ولا حتى في الروايات المنقولة شفاها رئيس دولة كبيرة أو صغيرة ارتبط اسمه بفضيحة في حجم فضيحة مونيكا جيت.. وهي كما رأينا ليست سوى حلقة واحدة من سلسلة من الفضائح المماثلة ولم يميزها على مثيلاتها سوى اعتراف الرئيس بها على الملأ في خطاب رسمي ألقاه بنفسه على مسمع ومرأى من العالم كله على شاشات التلفزيون. وغني عن البيان انه لم يلق بهذا الاعتراف تطوعا, أو تعبيرا عن الندم, وإنما عمل بالقول العربي المأثور (بيدي لا بيد عمرو) .. وعمرو هنا هو المدعي الامريكي المستقل كينيث ستار, و23 محلفا هم أعضاء هيئة المحلفين العليا الذين عصروا الرئيس عصرا على مدى أربع ساعات عن طريق شبكة تلفزيونية وصلت ما بينهم وبين غرفة الخرائط بالبيت الأبيض, وكان من الممكن ان تتسلل من احدهم معلومات كافية عن اعترافاته فآثر هو ان يقطع الشك باليقين. ومع ذلك, فاذا كنا هنا في الشرق نسمي ما حدث فضيحة بجلاجل, فإنهم في أمريكا فيما يبدو لا يعتبرونها كذلك. وفي أول استطلاع للرأي بعد اعتراف كلينتون العلني تبين انه يحظى بتعاطف أكثر من 62% من الامريكيين الذين رأوا ان ما فعله أمر شخصي بحت لا يجوز محاسبته عليه. والامريكيون أحرار بالطبع في ان يحاسبوا رئيسهم أو لا يحاسبونه. وأكثرنا يستطيع ان يفهم علة هذا الموقف رغم غرابته. ولعل معظم أولئك الذين تعاطفوا مع كلينتون فيما نسميه نحن فضيحة, وما يسمونه هم علاقة شخصية, إنما اتخذوا مواقفهم عملا بقول المسيح عليه السلام (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) . ثم ان المجتمع الأمريكي ــ بشكل عام ــ لم يعد يعتبر العلاقات الجنسية غير المشروعة خطيئة, بل أكثر من ذلك, ربما رأوا فيما ارتكبه رئيسهم الشاب نسبيا (54 سنة) دليل فحولة مطلوبة لدى الرئيس الذي يلبس ثوب فتوة العالم وحامي حمى اسرائيل! غير ان من المحتمل جدا ألا يطول تعاطف الرأي العام الأمريكي مع خطايا رئيسه لمجرد تأثره باعترافه (الشجاع) , كما وصفه نائبه آل جور, فالفضيحة لها جوانب كثيرة لعلها أهم وأخطر من جانبها الجنسي. وسوف يتعين على كلينتون ان يفسر لشعبه, وربما فعل ذلك أمام هيئة المحلفين العليا, كيف انه وهو رئيس أقوى وأغنى دولة في العالم استغل مركزه هذا, والهالة الطبيعية التي يحيطه بها منصب الرئاسة, ليغرر بفتاة, مجرد موظفة تحت التمرين بالبيت الأبيض, ويمارس معها ما أسماه (أفعالا غير لائقة) .. في أوقات عمله الرسمية, وفي الغرفة الملحقة بمكتبه, والتي من المؤكد انها مخصصة لأعمال أخرى بعيدة تماما عن هذه الممارسات. ومن حق دافع الضرائب الأمريكي الذي يدفع من جيبه نفقات اقامة الرئيس بالبيت الأبيض, فضلا عن المكتب البيضاوي والغرفة الملحقة به, من حقه ان يتساءل عن مشروعية الغرض الذي تنفق فيه أمواله. أما اذا كان الرئيس قد احتج لدى المدعي المستقل وهيئة المحلفين العليا بأن مونيكا, الفتاة الصغيرة التي في عمر ابنته تقريبا, هي التي أغرته فإن ذلك ربما أوقعه في خطيئة أكبر.. إذ كيف يتسنى للرجل الذي يفترض فيه انه أقوى حاكم في العالم ان ينهار ببساطة أمام مثل هذا الاغراء! أياً كان الأمر, فإن من المؤكد ان كلينتون لم يدل باعترافه الا بعد ان تأكد ان خطيئته ــ من وجهة نظرنا ــ أو زلته من وجهة نظر المتعاطفين معه قد ثبتت ثبوتا قطعيا, بحيث لم يعد يجدي معها أي انكار, والفضل في ذلك طبعا يعود لحكاية (الفستان إياه) .. خصوصا اذا كان انكاره لن يفيد شيئا, الا ان يضيف الى الجرم القابل للغفران من جانب الرأي العام الطيب, جريمة أخرى أكثر شناعة وأجدر بالاقالة أو الاستقالة, هي الكذب وتضليل العدالة. وعند الحديث عن حكاية الفستان, نجدنا أمام تساؤل أكثر مدعاة للعجب, ذلك هو: كيف.. ولأي سبب احتفظت مونيكا بهذا الفستان وعليه آثار الاتصال الجنسي المدموغة ببصمات الرئيس الوراثية كل تلك المدة ــ أربع أو خمس سنوات ــ دون ان تفكر في غسله أو ارساله الى (اللوندري) لتزيل ما عليه حتى يصلح للارتداء مرة أخرى.. أو حتى القائه في كيس القمامة.. أو الى بائع الروبابيكيا؟ أغلب الظن ان هذا السؤال لم يفت المدعي المستقل كينيث ستار, أو زملاؤه الميامين أعضاء هيئة المحلفين العليا.. واذا كان قد فاتهم فيما سبق, فإن أمامهم فرصة اخرى عندما يعيدون استجواب مونيكا هذا الاسبوع. وان كان هذا لا يمنعنا من القول بأن المسألة بأسرها فيها رائحة فأر ميت.. ستظل في حاجة الى تفسير. وهناك بالطبع تفسير جاهز, هو ان المسألة مدبرة في الاصل للايقاع بالرئيس كلينتون, أو لاتخاذها وسيلة للابتزاز حين الحاجة. والذين يتطوعون بهذا التفسير يلوحون بعلامة واضحة لتأكيد صحة تفسيرهم, ألا وهي ان مونيكا (يهودية) , والمفروض كعهدنا بكل اليهود الأمريكيين ان ولاءهم الأول والأخير لاسرائيل. وهنا يقفز أمامنا سؤال آخر.. ما هي مصلحة اسرائيل في الحاق كل هذه الفضيحة بالرئيس كلينتون؟.. والرجل ــ والشهادة لله ــ لم يقصر أبدا في حق الدولة اليهودية, حتى وان ناله أحيانا بعض الخرابيش من جانب رئيس وزرائها المسعور بنيامين نتانياهو. غير ان هذا لا يمنع من الحاح السؤال: لماذا احتفظت مونيكا بالفستان كل هذه السنوات حتى قدمته كدليل لا يقبل الشك ضد الرئيس؟ وبعد... فقد وصف كثيرون اعتراف كلينتون على الملأ بأنه دليل شجاعة, غير ان الذي يستحق وصف الشجاعة بحق هو موقف السيدة الأمريكية الأولى هيلاري, فمهما كان تسامح الرأي العام الأمريكي مع نزوات رئيسه, فإن من الصعب جدا على الزوجة التي أهينت كرامتها ومشاعرها ان تتسامح مع خيانة زوجها, ولا يجدي هنا ان كانت خيانة (كاملة) أو (غير متكاملة) , فهي لا يمكن ان تسمى ــ لدى الزوجة ــ نصف خيانة أو مشروع خيانة. الا ان قلوبنا معك يا هيلاري.. ومع تشيلسي.. وان كان ثالثكما لا يستحق!!