يعد الفنان الفرنسي(هنري دومييه)الذي لمع اسمه في منتصف القرن الماضي, اول من انتبه في الغالب الى الجمال المخبوء في اوساط البسطاء, بعد ان تحرر من سطوة الامراء وبرودة نساء ورجال القصور الذين كانوا الضيوف الدائمين للوحات الرسماين طوال القرون الماضية بامتياز رسم هنري لوحة(ركاب الدرجة الثالثة)في القطار وهم منهوكو القوى متكتلون داخل العربة القذرة يتبادلون نظرات الأسى التاريخي كذلك التفت رسام هولندا موفور الشهرة (فان جوخ)الى فلاحي الريف وعمال المناجم فأبدع لوحته الفذة (اكلو البطاطس) التي تضج بالاحتجاج ضد الفقر والقهر من خلال اسرة التفت حول طبق بطاطس فقط والهزال يلطخ اجسادهم جميعا! وفي مصر احتفل عدد من الرواد بتصوير حياة البسطاء في لوحاتهم مثل (راغب عياد) 1892:1982, حسني البناني 1912:1988, تحية حليم 1919, ثم حامد ندا وعبد الهادي الجزار. وهاهو الفنان الشاب عمر عبدالظاهر 31 سنة الذي تخرج في كلية الفنون الجميلة بالمنيا وكان ترتيبه الاول يقدم لنا اكثر من 40 لوحة في معرض بأتيلية القاهرة, تدور كلها حول العالم الزاخر والسحرى لحياة الناس في جنوب الوادي. اول مايلفت النظر هو انحياز الفنان الى المناخ النسائي العامر بالطقوس والاسرار مع خصام واضح ضد الرجل, فلا تكاد نلمس لوحة واحدة يظهر فيها الرجل ولو بشكل طيفي او ثانوي, هذا لايمنع ان نرى طفلا ما يتسلل داخل اللوحة يتأمل الطقوس التي تزاولها امه واخواته مثل لوحة (الرقية) حيث نشاهد هذا الطقس الشائع في اوساط الريف خاصة اهل الجنوب, فالطفلة جالسة على ركبتيها في استسلام, تام بينما الام والخالة او الاخت الكبرى, تقوم (برقوة) الابنة. استلهم عمر منطق الرسوم الفرعونية المستقرة فوق جدران المعابد العتيقة, من حيث استطالة الجسد وحركة الايدي, فضلا عن التعامل مع (الفورم) بحذر, فالشخوص محاطة بخط قاتم بديلا عن التظليل المتدرج, وهي سمة عامة اتصفت بها فنون الشرق, ورغم ان الفنان التزم الى حد كبير بسلامة وانضباط النسب التشريحية للجسم البشري, الا انه بالغ احيانا في الرسوم الخاصة بالوجوه التي جاءت حزينه.. تعلوها ورطة الفقر. لا يبخس عمر عبد الظاهر علي بطلات لوحاته بالالوان وبعض الزخارف التي تتحلى بها الملابس او السجادة على الارض مما يجعل المشهد اقرب للواقع وقد اصاب الفنان عندما صنع خلفية اللوحة باستخدام سكين الالوان الذي يعطى السطح ملمسا خشنا يشبه حوائط الفقراء. ان الهوس بالحركة ابرز سمات الفنان, والتي تتمثل في الاوضاع التي تتخذها بطلات لوحاته, ففي عمله المعنون باسم (الزينة) تدهشنا هذه اللقطة التي تصور فتاة جالسة بيدها مرآة بينما امها تمشط شعرها وتلتفت للخلف لتتناول زجاجة العطر من فتاة اخرى. المفارقة المذهلة في هذه اللوحة هي انهمار الحزن من عيون النساء جميعا, فضلا عن انعقاد شفاههن برغم ان فعل الزينة فعل فرح وبهيج ولا تفسير سوى غول الفقر الذي نشاهد اثاره في طبيعة المكان ونحافة السيدات, والذي يعطل سرعان نشوة السعادة في النفوس., ولعل لوحة (العروسة) تؤكد ذلك فرغم ان النسوة منهمكات في الغناء والتصفيق حول العروسة التي ارتدت ثياب الزفاف, الا ان المتأمل جيدا يكتشف طيور الحزن تحوم حول المكان تتجلى براعة الفنان في هذه المقدرة على شحن اللوحة بعدد وافر من الشخوص, ومنح كل منها حقها المشروع في التواجد والحضور, كذلك يحتفي الفنان بابراز غابة الزخارف التي تزين ملابس النساء وكعادته انصرف الفنان عن صنع (فورم) وقنع بخطوط حادة تحيط بالاشكال لكنه احترم المنظور حيث تقل احجام النساء في خلفية اللوحة بينما تكبر هذه الاحجام عندما تحتل النساء المقدمة وزع عمر عبد الظاهر الوانه بحساب, وان كان الازرق الهامس والاخضر القاتم قد فازا بنصيب الاسد في هذا القاموس اللوني ان انتماءات الفنان للاتجاه التعبيري واضح, من خلال انبعاج الاجسام, وتحطيم منظومة الملامح المستقرة, مما يمنح المشهد شحنة تعبيرية قوية جذابة. ان أثمن مافي اعمال عمر عبد الظاهر هو محاولة ابتكار قيم جمالية مصرية تستند الى الموروث وتنشد الفرادة.. في زمن (العولمة) !! القاهرة ــ ناصر عراق