من بدائع وليام شكسبير مسرحية بعنوان(كل الخير فيما ينتهي على خير), هذا هو العنوان الحرفي من ترجمتنا للمسرحية, لكن عمنا الشاعر الكلاسيكي خليل مطران ــ وكان بالمناسبة يترجم شكسبير عن اللغة الفرنسية ! اختار للمسرحية عنوانا أصبح في عربيتنا الشريفة مشهورا وهو (العبرة بالخواتيم) , صحيح العبرة بالخواتيم كما قال وليام شكسبير على لسان خليل مطران, وهو ما كانت تعبر عنه جدتي شخصيا حين كانت تنقل إلى صغيرها حكمة القرية, فتقول: يا بني! الناس ياما أولها, ياما آخرها. هكذا انفسح أمامنا فيض من خواطر ما بين عبقرية شكسبير إلى ترجمات مطران إلى حكمة الجدة ــ طيب الله ثراها ــ لكي نتأمل مصائر البشر خاصة الأعيان والأعلام, ما بين بداياتهم وخواتيمهم, وفي تلك عبرة بكل المقاييس, وخذ عندك: في أدب الأمريكان المعاصر تقرأ روايات مبدع كبير اسمه جون شتاينبك , وكم خلب هذا الرجل ألبابنا ونحن في مطالع الشباب وعند منعطفات نضج التذوق من العمر, كتب روايات من أمثال (عناقيد الغضب) و (رجال وفئران) حيث الانسان يناضل دون كلل, وحيث الاحتفال كأبلغ ما يكون بالشأن الانساني, وحيث اللغة عند شتاينبك تحاكي مقاييس السهل الممتنع , عذبة كانت أم سائغة.. فيها ملامح شبه انجيلية, بساطتها تنبع من عفويتها وعذوبتها تنبثق من انسانيتها, كثيرا ما توقف جيلي عند رائعة شتاينبك وعنوانها الحرفي (هبوط القمر) أو (أفول القمر) وكم صدرت لها ترجمات بسيطة وجميلة في العالم العربي, بل عمد المسرح القومي في مصر أيام نهضته السامقة الباذخة في العصر الناصري , إلى مسرحة الرواية بعنوان ( في مغيب القمر) ومن ثم قدمها التلفزيون المصري وكان أيامها يحمل اسم التلفزيون العربي في سهرة تلفزيونية مازلت أذكر بطليها وهما الممثلان الكبيران حسن البارودي وعبد الرحيم الزرقاني. رواية (في مغيب القمر) يتألق فيها جون شتاينبك إلى ذرى القص وإلى شرف الموضوع إذ هي تدور في قرية وادعة صغيرة في غرب أوروبا (ولم يحدد المؤلف هويتها) وان كان للقارئ ان (يتصور انها قرية في بلد أوروبي صغير لم يذق ويلات الحرب الضروس , بلد مثل الدانمارك أو حتى بلجيكا يصحو سكان القرية ذات صباح فإذا بقريتهم تحت الاحتلال, والإشارة طبعا إلى النازي الألماني, وها هم قوم مسالمون وادعون ومثقفون أيضا وقد تعين عليهم ان يتعاملوا مع سلطة غريبة, غازية وغاشمة اغتصبت منهم الأرض والارادة والمقدرات, أردنا ان نقول لك كم كان جون شتاينبك الأمريكي عزيزا على قلوبنا نحن المثقفين العرب, ولا أشك أنه كان كذلك بالنسبة لكثير من مثقفي العالم الثالث, فكم قرأوا في سطوره وبين سطوره تعاطفه مع المستضعفين وانتصاره لارادة الانسان وانحيازه للفقراء في وجه الاستغلال, ناهيك عن ادانته للقوة الغاشمة والاحتلال. وعندما نال شتاينبك جائزة نوبل في الآداب عام 1962 سعدنا بذلك, وليتنا ما فعلنا.. لماذا؟ لأن نهايات الرجل جاءت على عكس بداياته, فوجئنا بالروائي الأمريكي وقد تنكر لتلك القيم الانسانية التي ظلت تفيض من أعماله.. وكانت صفعة للجميع عندما أعلن شتاينبك عن تأييده للحرب الدائرة في فيتنام, وفيما كانت بلاده تموج بمظاهرات رفض الحرب وفيما كان البطل المسلم محمد علي كلاي يتعرض للاضطهاد لأنه رفض التجنيد للذهاب إلى ذلك الصقع الآسيوي وقتل أبنائه على يد الآلة العسكرية الأمريكية, وفيما كان أشرف مثقفي أمريكا والغرب وألمعهم وأبرزهم موهبة يدينون فيتنام كان جون شتاينبك يعلن عن تأييده للرئيس ليندون جونسون وهو يزيد من حشد قواته وعماراته البحرية وطائراته, لكي تقصف فلاحي آسيا بالنابالم وتحرق قراهم البائسة وترتكب من المذابح ما ظل يدينه الضمير الانساني حتى كتابة هذه السطور. هكذا بدأ جون شتاينبك رائدا ومبشرا بالقيم الانسانية الجميلة ثم آل إلى نهاية سخيفة ممقوتة مؤيدا لواحدة من أتعس الحروب في هذا العصر. وتعال أيضا إلى مبدع آخر هو الشاعر الأمريكي (عزرا باوند) عندما أصدر أناشيده الشهيرة في عام 1925 أحس الناس أنهم ازاء فتح جديد في عالم الشعر الانجليزي, يتخلص فيه الشعر من رخاوة الرومانسية وأيضا من جمود الكلاسيكية ومن نفاق العصر الفيكتوري لكي يتفاعل مع الواقع اليومي البالغ التعقيد لعالم القرن العشرين. لم يكن غريبا إذن أن يتبوأ عزرا باوند مع بدايات هذا القرن مكانة مميزة وفريدة في أدب الانجليزية هي مكانة الاستاذ, ولمن؟ لمبدعين واعدين مثل جيمس جويس الروائي الأشهر الذي قدمته إلى الناس في عام 1914 كلمات عزرا باوند, وقد قالها بالفرنسية: ان هذا الشاب واحد من اثنين يتفردان بأقوى أسلوب في كتابة النثر الانجليزي, وكان الثاني هو الروائي د.هـ. لورانس. لا عجب إذن ان يكتب الشاعر ت.إس. إليوت قصيدته الملحمية الطويلة بعنوان (الأرض الخراب) وقد أصبحت وثيقة شاهدة علي عصرنا ثم يحرص على تصدير هذا العمل الأدبي الجليل بعبارة اهداء تقول: .. إلى عزرا باوند.. الصانع الأمهر. لكن أمر عزرا باوند كان أمرا عجبا, طوته الأحداث والسنون إلى ان ظهر على الناس في مرحلة الحرب العالمية الثانية, وأين؟ في ايطاليا الفاشية حيث كان يبث الاذاعات ويشارك في الدعايات الفجة, الزاعقة التي تشيد ببطولات موسوليني ديكتاتور ايطاليا في ذلك الزمان, وعبثا حاول الناس ان يفهموا كيف بدأ عزرا باوند رائدا في مجال الشعر والأدب وعميدا وأستاذا لمدرسة جديدة في شعر الانجليزية المعاصر, ثم ينتهي به الأمر بوقا للفاشية ونصيرا للديكتاتورية, بل انتهى به الأمر فعلا في احدى المصحات العقلية وربما عمد أصدقاؤه وتلاميذه إلى ايداعه بين محابسها لا لخلل عقلي أصاب عزرا باوند, ولكن في محاولة يائسة وأخيرة لانقاذه من حبل المشنقة بوصفه كان مجرم حرب عميلاً للفاشست. في بلادنا, لم يصل الأمر بحمد الله إلى هذه التحولات الخطيرة في حياة الأدباء أو المفكرين لكن كانت هناك تحولات وربما لايزال هناك الكثير, لقد بدأ توفيق الحكيم برواية (عودة الروح) , التي تأثر بها عبد الناصر وهو شاب بكل ما حوته من عبارات رسالية تبشر بالجديد في الحياة الوطنية في مصر, إلى ان انتهى العم توفيق رحمه الله بكتاب (عودة الوعي) الذي صور فيه المرحلة الناصرية وكأنها كانت بمثابة سحر غامض ألقاه على أفئدة مصر والأمة العربية ساحر أو مشعوذ من نوع خاص وخطير اسمه عبد الناصر فكان ان سلب ارادتهم وسرق وعيهم وجعلهم مثل السائرين نياما على حد تعبير روائي عظيم راحل لم ينل حظه الواجب من التقدير اسمه سعد مكاوي. وبدأ عباس العقاد ثوريا في مجال الشعر, يرفض شعر المناسبات الذي يقوله الكلاسيكيون بغير روح أو شعور ويرفض رص أبيات القصيدة ويدعو إلى وحدتها العضوية, وإلى ان يطرق الشاعر كل الأغراض والأبواب متأثرا بما يراه في الشارع في دكان الكوّاء, وربما يرثي كلبه (بيجو) لأنه يحبه بصدق بدلاً من ان يرثي الباشا الفلاني كنوع من مجاملات تقديم العزاء .. إلخ. ثم انتهى العقاد محافظا, جامدا, يتهم الشعراء المحدثين بكل نقيصة ويرفض كل ابداعاتهم, وكانت باهرة بحق, واعدة بكل معنى, وخاصة عند شعراء من أمثال صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي, ويصل أمر العقاد إلى ان يراكم كل مجموعات الشعر الحديث التي كانت تصل طلبا للنشر إلى لجنة الشعر التي رأسها في مجلس الفنون والآداب, ثم يكتب العقاد على كل هذه الدواوين عبارته الشهيرة (يحول إلى لجنة ... النثر) . وخلال نفس المنظور يمكن ان ننظر إلى آراء الأستاذ نجيب محفوظ التي ذاعت وشغلت الناس في الآونة الأخيرة. بدايات نجيب محفوظ حفلت بالانتصار للفقراء المهمشين, والذين يحملهم الظلم الاجتماعي على الانحراف (القاهرة الجديدة) وحفلت بالوقوف عند مشارف الفكر التقدمي والانتصار للاستنارة والتطور (السكرية) وها نحن نشهد الخواتيم عند الأستاذ نجيب حيث تأميم القناة عمل غير محسوب, والسد العالي, مشروع كثير المضار, ولو كان الأمر بيدي ــ أضاف الاستاذ نجيب ــ لاصطلحت من زمان مع اسرائيل...إلخ. لا نكاد نصدق ان هذه نهايات رجل ظل ينعم طيلة العصر الذي أسرف في هجائه بكل مميزات التوقير والمساندة والتشجيع والأوسمة والأضواء, وهو نفسه الذي ظل في العهد الذي سبقه موظفا في وزارة الأوقاف, قصارى أمله ان يصبح سي نجيب افندي ــ الموظف السابق في خدمة الدولة, يجلس في قهوة المعاشات, ويكتب, وقد ينشرون له وقد لا ينشرون, وصدق خليل مطران , العبرة بالخواتيم.