لست ممن يشغلهم المال وبالذات في حالتين: اذا كان كثيرا جدا, واذا كان بلا جهد كبير. ومع ذلك فلقد شغلتني المكافأة التي رصدتها حكومة الولايات المتحدة الامريكية لمن يدلي بمعلومات مهمة في قضية تفجير سفارتيها في نيروبي ودار السلام . بمجرد اعلان الخبر والتلويح بالمليونين حتى استيقظت قرون الاستشعار داخلي على غير العادة! ولم يكن ذلك سعيا وراء المليونين, بل كان لانه لديّ فعلا معلومات مهمة تؤدي بالتأكيد للكشف عن اسباب ودوافع تفجير السفارتين. ولست متسرعا في يقيني هذا. ولست اسلك مسلك الغرب الذي كلما حدثت كارثة في أي مكان نسبها الى الاسلام. ولو ان (لمبة) انفجرت في مطار نيويورك او فرانكفورت او كوبنهاجن لكنت في حبس الشرطة فورا ولاصدرت الداخلية بيانا بان المسلمين هم الذين قاموا بهذا الانفجار. فاذا اتضح ان انفجار (اللمبة) امر قدري لا علاقة لبشر فيه, القوك خارج الحبس, دون اعتذار, وهكذا تظل موصوما بتهمة لم يحكم عليك فيها. والاغرب انك لم تبرأ منها. وانا لا القي الكلام على عواهنه, ومما اذكره من احداث ان صديقا لي من (الموسوسين) فهو يغسل يديه قبل الغسل وبعده مرات ومرات كل يوم. تمر عليه لفحة غبار فيستحم, يسلم عليك فيغسل يديه بالمطهرات. يشتري الملابس جديدة لكنه يغسلها قبل لبسها خشية ان يكون قد لمسها غيره. ولان صديقي من كثيري الاسفار فهو يحمل معه كل شيء ما عدا السرير! ومما يحمل معه وخاصة بعد انتشار الايدز مطهرات لينظف بها الحمام قبل استخدامه. ويبدو ان احد هذه المطهرات كانت له صفات متميزة. وكان من بينها انها تركت لونا احمر على جدران البانيو. وعاد صاحبي وزميله من الفسحة ليستريح في فندقه فوجد سيارات الشرطة تحاصر الفندق, والقناصة متربصين اعلى البنايات يوجهون بنادقهم الاتوماتيكية. ورجال العمليات الخاصة ملتحمين بالجدران وفي ايديهم جميع انواع الاسلحة ما عدا الصواريخ عابرة القارات. وتجمد سائق التاكسي وغاب عن الوعي, اما صديقي فلم يقدر خطورة الموقف وسار يدندن بأغنية شفيق جلال (امونة) ولكن انطلق صوت ميكرفون يأمره بالتوقف مع تكات الف قطعة سلاح وادرك ان الامر جد. وقبض على صاحبي وزميله وبدأت التحقيقات معهما عن عملية القتل التي تمت في حمام الفندق. وانكر صاحبي الاتهام تماما اما زميله فلقد اكد انه لم يستخدم هذه المادة المطهرة الشريرة, ولكن دفاعه لم يجده شيئا. وبعد يومين اتضح من التحليل ان المادة فعلا مطهرة وانها ليست دما, وانهما ليسا قاتلين رغم انهما مسلمين واكتفوا بالقائهما من الفندق, والترحيب بسفرهما من البلد. هكذا يتهمون الاسلام بأي حدث يصيبهم وهذا ما حدث عندما تمت تفجيرات كينيا وتنزانيا فلقد كانت اول التكهنات ومازالت صرخات الالم من المصابين تدوي: ان الجماعات الاسلامية هي المسؤولة. وقام احد عملائهم بالاتصال باحد الصحافيين في القاهرة (وليس في نيروبي او دار السلام!) واخبره ان جماعته هي المسؤولة باذن الله عن تدمير سفارتي امريكا في كينيا وتنزانيا, ولكي لا اظلمه ولا اظلم الامريكان, قد لا يكون هذا الشخص عميلا لاحد. ولقد يكون مجرد رجل (خائب) قضى حياته في احلام اليقظة. وكما يحدث لجميع المقهورين حلم بتدمير الولايات المتحدة وسفاراتها وقام في احلام يقظته بأدوار سوبرمان وطرزان وعنترة بن شداد وفريد شوقي. فلما قام بعضهم بتدمير السفارتين نيابة عنه, دب فيه النشاط ورفع سماعة التليفون وحرك القرص سبع مرات او ربما يكون تليفون بأزرار فيكون قد كبس الازرار سبع مرات. وانتظر وما امر الانتظار حتى اتى صوت الصحافي فجمع شتات نفسه والقى اليه بالخبر العظيم: انه وجماعته الذين دمروا السفارتين ثم نام! واعذرني لهذا الدفاع الطويل الذي اردت به افكار تسرعي في التصريح بان لدي معلومات هامة عن التفجيرين الشهيرين فالسرعة ليست دليل التسرع. وكان بامكاني ان اتصل مثل صاحبنا (الخائب) أو بأية طريقة اخرى. واطلب حضور الرئيس الامريكي الى بيتنا العامر في حي الدقي, فاذا كان الرئيس مشغولا بالتحقيق من الآثار التي تركها على فستان مونيكا, فليأت نائب الرئيس, فاذا كان السيد آل جور مشغولا بارتفاع درجة حرارة الكون, وله حق طبعا, فكلنا عانينا موجة الحر, فليأت اي مسؤول ما عدا السيدة مادلين اولبرايت. ليأت من يأتي ومعه حقيبة أو أكثر فيها المليونين من الاوراق الصغيرة المستعملة. ولن اقبل ابدا شيكات, فانا لا أثق فيمن سيأتي اليّ. ولو انني فعلت هذا مالامني أحد. فالاخوة عرضوا المكافأة لمن لديه معلومات. وانا لدي معلومات. والحياة أخذ وعطاء. ولكنني احب أن اشرك معي قراء (الاستراحة) في ثروة العمر. ولذلك ستكون معلوماتي علنا وعلى قارعة (الاستراحة) ! أقول للرئيس الامريكي أو لمن ينوب عنه ما عدا السيدة مادلين اولبرايت: لاتبحثوا كثيرا عمن فعل مافعل. ففي غالب الامر قضوا تحت الانقاض. أو ربما نجوا وهربوا. ومن يدبر أمرا كهذا يعرف كيف يهرب. ولنفرض أنكم وصلتم اليه. لابد آن تعاقبوه طبعا, فلا جريمة بدون عقاب. ولكن لماذا حولتم المسألة الى قضية ثأر كأنكم من صقلية أو من الصعيد. ان الثأر بعيد عن الصرامة لان الذي يقوم به طرف غير محايد. وانتم منذ حدوث الكارثة تصرخون في وسائل الاعلام طالبين الانتقام. والانتقام ليس من شيم الدول الراقية بل العقاب القضائي, وانتم لم تتحدثوا عنه ابدا. اسمحوا لي ان اصرح لكم بأول الاسرار: صحيح ان الناس ابدوا حزنهم على هذه المجزرة الرهيبة. ولابد انهم احسوا بالحزن, وخاصة ان منظر الضحايا على الشاشة كان قاسيا, وان معظمهم كانوا من السود الذين لا ناقة لهم ولا جمل. وبالتأكيد لم يكونوا هدف هذا الهجوم. لكنني اكشف لكم ياسيدي الرئيس أو من ينوب عنه ماعدا مادلين اولبرايت انه لايوجد شخص واحد من شرق الاطلنطي الى غربه لم يحس بالتشفي والعياذ بالله لما حدث. فقد بدت الولايات المتحدة الامريكية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي طاووسا مختالا يعامل العالم باحتقار. واعاد بعض أفكار الدولة الرومانية التي كانت تحكم الدنيا وحدها مثل امريكا اليوم. وكان الرومانيون يتساءلون هل غيرهم من الشعوب بشر؟ واذا كانوا بشرا فالى اي حد هم بشر؟! واذا تتبعنا القوانين على اساس انها الدلالة لهذه الافكار العنصرية سنجد ان لاهل روما كل الحقوق المدنية, فاذا وصلنا الى اللاتين قلت الحقوق, وهكذا تقل الى الايطاليين. فاذا انتقلت الى بقية الشعوب نجدها تنعدم, حتى تعامل بعض الشعوب معاملة الحيوانات. ما اشبه اليوم بالبارحة. وامريكا تعيد هذه العنصرية فالمجد وحده للولايات المتحدة وبعضه لحليفتها بريطانيا, ثم لا مانع من بعضه وعلى مضض لاوروبا الغربية, فمازالت اوروبا الشرقية شرقية! اما بقية دول العالم فهي تحت الخط البشري. هذه المعاملة التي تنطلق من منطلق عرقي متخلف, متسم بالعنف والبلطجة.. الا يوحي حتى للمسالمين (ولا أقول للمسلمين) بالثورة على سيطرة الدولة الواحدة. الا يمكن ان يكون هؤلاء الجناة روسا كرهوا الولايات المتحدة لانها حولت بلدهم من دولة عظمى الى بلد يأكل حتى لحم البشر. أو بعض اهل القدس ممن رأوا مدينتهم المقدسة تزال من الخريطة برعاية امريكا. أو بعض الاندونيسيين الذين سعوا للخلاص من سوهارتو فاجهضت امريكا سعيهم وابعدته مع ستين مليارا من الدولارات الخ.. الخ.. اذن ياسيدي الرئيس أو من ينوب عنه ماعدا مادلين اولبرايت الولايات المتحدة بسياستها المتغطرسة هي المسؤولة عما حدث. انت ياسيدي الرئيس بعربدتك مسؤولا, ولا اقصد هنا بعربدتك تلك المغامرات العاطفية مع مونيكا وغيرها. فلو انك كنت تملك جهازا اذكى من المخابرات الامريكية لعرفت ان معظمنا هنا صرنا نحبك بعد هذه المغامرات. فها هو رئيس غير متجهم لديه من الوقت والرغبة مايجعله يتجول في ردهات البيت الابيض يغازل هذه العاملة ويتحرش بهذه الموظفة ويربت على ردف هذه الخادمة. ويترك أثاره على الفساتين! ثم يخرج مع زوجته يقبلها على رؤوس الاشهاد. بصراحة ياسيدي الرئىس تسعون في المائة من رجالنا يغبطونك. وبعضهم يكاد يغفر لك غطرستك لهذا. العربدة التي اقصدها هي العربدة السياسية والعسكرية, فلقد تحولت امريكا في عهدكم الى رئيس عصابة يرتدي زي شرطي! ها أنا قد بلغت. وقراء (الاستراحة) شهود. وانا في انتظار المليونين. وأنا جالس في الانتظار فكرت فيما سأفعله في هذين المليونين. لا أريد بيتا اكبر, فأنا أحس ان بيتي الصغير هذا اكبر مما يجب. ولن أغير سيارتي فانا أقودها كثيرا. ولن انفقها في السفر, فانا فعلا اسافر أكثر العام, واسعى لتقليل هذا حتى اجد وقتا للعمل. وفكرت في الاعمال الخيرية, وان كنت اخشى ان تكره امريكا الاعمال الخيرية. ثم قفزت الى ذهني قصة قديمة فبعد ثورة يوليو ارادت المخابرات المركزية اختراق مجموعة الشباب الذين قاموا بها. وادركوا ان جمال عبد الناصر اهم هؤلاء الشبان. فوسطوا حسن التهامي لاهداء رشوة له قدرها مليونا دولار, وتأمل الصدف. وقبل عبد الناصر المال لكنه بنى به برج القاهرة, ليكون رمزاً لخيبة المخابرات الامريكية. وقد فكرت في بناء برج يدل على خيبتي في عدم معرفة أوجه الانفاق ولكن المشكلة هي في ان المليونين لم يعودا كافيين لبناء اساس البرج, فهل زادت الولايات المتحدة المكافأة؟!