الانسان ابن تاريخه, فهو يمضي في الحياة حاملاً تاريخه على ظهره, كما يعبر دكتور سيد عويس, في اشارة إلى الصلة الوثيقة بينهما, فكما ان الانسان يصنع التاريخ, فهو كذلك يتأثر به, ويندرج في مساره, ويمضي في معراجه . ولكن ما هو التاريخ حقا؟ بأي معنى نفهمه؟ وكيف يتشكل الانسان بمساره؟ وهل هو الابن الشرعي له بالضرورة؟ أستطيع, ويستطيع غيري, المضي بلا نهاية في تحديد مفاهيم شتى للتاريخ, قد يعكس بعضها تنقاضا صارخا بين جزئياته, لكنني أميل إلى تبني المفهوم الضمني للتاريخ الذي حدثنا عنه شاعر العامية بقوله إن التاريخ في جوهره (حواديت وناس ودنيا) . و(الحدوتة) التي نحكيها اليوم يزيد عمرها على ربع قرن, فهي قد سبقت حرب أكتوبر التي توشك على الاحتفال بيوبيلها الفضي قريبا. وهي تبدأ بوصول ضابط شاب مع رجال وحدته لشغل موقع بين جبلي الجلالة البحري والجلالة القبلي يشكل انقطاعا في سلسلة جبال البحر الأحمر. بحماس الشباب انطلق الضابط مع قلة من جنوده لاستطلاع منطقة مرتفعة من الأرض, بدت له مثالية لأسلحة الرشاشات الخفيفة, مخالفا نصائح البدو من أبناء المنطقة, بألا يذهب إلى هناك أبدا, وان يبتعد عن (التبة السوداء) كما أسموا هذه المنطقة المرتفعة. والتبة ـ لمن لا يعرف ــ هي الأرض المرتفعة, أو هي كما يعرفها القاموس المحيط الأرض البارزة والبينة والمختلفة عما حولها. عندما وصل الضابط الشاب وجنوده إلى التبة السوداء, أدرك على الفور السر في نصيحة أبناء المنطقة له بعدم الاقتراب منها, فإلى جوار أكوام من سعف النخيل وفروع أشجار الصحراء وباقات الورد الذابلة كانت هناك لافتة تحمل كلمات بسيطة هي: (تبة الشهيد محمد زبيب) . وعلى التبة نفسها كانت هناك أطنان لا حصر لها من آثار وبقايا النابالم الحارق, والمحرم استخدامه دوليا, والذي طالما استخدمه الطيارون الاسرائيليون في ارتكاب جرائمهم الوحشية ضد الكثيرين من العرب, من دون تمييز بين العسكريين والمدنيين, وتحت الأفق شمخ موقع لرشاشات الدفاع الجوي المصري, ولكن مع تحول كل دشمة إلى قبر يضم الرشاشات والجنود معا في تجسيد خالد لمعنى الشهادة المطلق. الضباط والجنود الذين سارعوا إلى هبوط (تبة زبيب) عادوا ليسألوا: ما الحكاية بالضبط؟ والحكاية انه خلال بناء الجيش المصري لحائط الصواريخ استعدادا لحرب اكتوبر, كانت هناك ثغرة وحيدة يمكن للطيران الاسرائيلي المنخفض النفاذ منها الى القاهرة هي تلك الواقعة بين جبلي الجلالة, وكان المطلوب سد هذه الثغرة بمختلف عناصر المدفعية المضادة للطائرات ريثما تغدو وحدات الصواريخ جاهزة للقيام بهذه المهمة. بادرت قيادة وحدات الدفاع الجوي إلى بث مختلف عناصر المدفعية في هذا القطاع من ساحل البحر الأحمر, وصولا إلى الكريمات التي تعد الأرض المفضية إلى الجيزة, ومن ثم إلى القاهرة. وفي مقدمة هذا كله وضعت وحدة للرشاشات الخفيفة على تبة مواجهة للمياه تتوسط الجبلين, بحيث يمكنها ضرب عناصر الضفادع البحرية الاسرائيلية, إذا حاولت التسلل للمنطقة, وفي الوقت نفسه ضرب الطائرات الاسرائيلية, لارغامها على الارتفاع عاليا ليتاح لعناصر المدفعية اسقاطها. الطيارون الاسرائيليون الذين حاولوا قصف القاهرة من هذه الثغرة, فوجئوا بالموقع الذي يعلو التبة, والذي تحول إلى جحيم حقيقي, ينفتح في مواجهتهم بفضل عناد رجال المدفعية الذين يتمركزون فيه وبراعة قائدهم: محمد زبيب. كانت المشكلة الحقيقية في هؤلاء الرجال الذين يقاتلون فوق التبة أنهم من عناصر المدفعية التي تعتبر نفسها وريثة لتقاليد فرسان المدفعية الذين شكلوا أول سلاح عربي حديث من نوعه ضمن وحدات جيش محمد علي, وقاتل أجدادهم في مناطق لا تخطر على بال, في الأناضول, وفي المكسيك, وفي الجزيرة العربية, وتعتز قيادتهم بأن أحد أبرز قادتهم التاريخيين سحق بقدمه رسالة بعثت بها الحكومة الانجليزية في الهند للاستعانة بمفارز المدفعية التابعة له لمقاتلة القلاع العربية الصامدة في رأس الخيمة, ويومها قال الرجل انه يؤثر ان تقطع يمينه على ان يطلق طلقة واحدة على أشقائه العرب المسلمين. انه التاريخ ــ مرة أخرى ـ الذي وقف وراء اعتزاز رجال المدفعية هؤلاء بتقاليدهم العريقة, وفخرهم بغطاء الرأس الخاص بهم, المؤلف من اللون الأسود وحافة حمراء, رمزا للفروسية التي لا تعرف الهوادة وللاستعداد لاعطاء دمهم للوطن في أية لحظة. لهذا, بالضبط, عندما صدرت الأوامر لمحمد زبيب بألا يهبط مع رجاله من التبة إلا بعد ان تكون وحدات الصواريخ قد بعثت برسالة الاستعداد للاشتباك , ابتسم قائلا: جبال الجلالة مغلقة. هكذا أغلقت الثغرة بين جبلي الجلالة, وعبثا حاولت موجات متتابعة من الطيران الاسرائيلي النفاذ منها, فقد كانت نيران محمد زبيب ورجاله جاهزة على الدوام. لا حصر للمحاولات التي قام بها الطيارون الاسرائيليون للتخلص من هذا الفريق القتالي, وعندما جن جنونهم قاموا بهجمات متتالية بتكتيك (الساقية) المعروف الذي يعني توالي القصف من دون انقطاع, ولكن هذه المرة باستخدام خزانات النابالم الحارق, لاغراق التبة, ودفن كل من عليها. لم يقدر لهم ان يفلحوا إلا مع قرب انتهاء آخر شريط في آخر خط ذخيرة في الموقع, والذي كان محمد زبيب يطلقه بنفسه, بينما عمد رجاله الى اطلاق موجات من نيران أسلحتهم الصغيرة في وقفة صمود أخيرة حتى النهاية. في اللحظة نفسها كانت وحدات الصواريخ تبلغ باستعدادها الفوري للاشتباك وهكذا أعطت للشهيد محمد زبيب المكافأة التي دفع دفة من أجلها. من يومها, وكلما مرت مركبة عسكرية من أمام تبة زبيب بادر الأقدم رتبة فيها إلى رفع يده تحية لشهداء التبة العظام الذين هم أحياء لاخوف عليهم ولا هم يحزنون, من يومها يبتسم الكثيرون ساخرين من أي حديث للتطبيع مع الصهاينة, ومن أي هرولة الى قادتهم, فلو ان كل الأرض العربية باركت التطبيع لمارست تبة زبيب حق (الفيتو) على هذا التطبيع وحالت دونه. من يومها يبتسم الضابط الذي لم يعد شابا, وهو يسخر من حديث التطبيع والهرولة, ويبتسم معه محمد زبيب.