يقول الاعلان الأمريكي(نحن نوفر لك عشر دقائق من وقتك كل صباح), وبعد هذه العبارة تظهر على شاشة التلفزيون طاولة صغيرة مثبتة إلى مقعد التواليت في المرحاض) وفوقها معجون وفرشاة أسنان وكوب من الماء . ويضيف الاعلان: إن معظم الناس يبدأ يومه بدخول الحمام, فيمضي ثلاث دقائق في تنظيف أسنانه قبل أن ينتقل للتواليت... بينما نحن نجمع الاثنين في وقت واحد, اجلس لقضاء حاجتك, بينما أنت تنظف أسنانك... بل ويمكنك أن تكسب وقتا أطول, إذا قررت أن ترشف قهوة الصباح وأنت جالس فوق حوض التواليت... بعد تنظيف أسنانك... عندئذ سوف يصل مكسبك من الوقت إلى عشر دقائق صباح كل يوم, أي خمس ساعات كاملة في الشهر الواحد) . وحقق كرسي التواليت المعلن عنه رقما قياسيا في المبيعات وصل إلى عشرة آلاف كرسي يوميا, وخلال الاسبوع الأول من اطلاقه في السوق. عبارة (الوقت هو المال) تجد يوميا آلافا من رجال الأعمال, يحاولون ترجمتها إلى واقع وسلوك... ومنتوجات, وفي طليعة هؤلاء ملوك (الهامبرجر) والوجبات السريعة التي يمكن للأمريكي أن يأكلها ماشيا أو على الواقف, أو وهو جالس إلى مكتبه يأكل باليمين بينما يكتب باليسار. ومن بين كل الأمريكيين فإن أهل نيويورك هم الأكثر سرعة من بين الولايات وكلها, وسواء كنت في العاصمة واشنطن, على الساحل الشرقي, أو في لوس أنجلوس على الساحل الغربي, فانك تعرف ابن نيويورك من طريقة مشيه, فهو يكاد يعدو دائما وكأن كلبا يطارده, وعندما قلت هذه الملاحظة أمام شخص نيويوركي, رد قائلا: ما أهون عضة الكلب, إن (لعقارب الساعة لسعة أشد فتكا) . اسألوا كلينتون عن هامبرجر الحب. نحن نقول مجازا (اننا نعيش عصر السرعة) , بينما ما زلنا نتعامل مع الحب باعتباره (نظرة, فابتسامة, فلقاء...) , الأمريكي يختصر كل هذا, فهو لا يملك (الوقت) للنظر والبصبصة والبحلقة... ولا وقتا للابتسامات يوزعها يمنة ويسرة, انه غالبا يوفر ابتسامته أو ابتسامتها لرب العمل وللمدير... فهي من معدات الشغل, وهذا الأمريكي يكتفي بأن يضع اعلانا في صحيفته أو مجلته المحلية, يحدد مواصفاته ومواصفات الآخر المطلوب, ويبدأ في تلقي الردود, ويختار من يناسبه, على الورق أولا ومن دون أن يتورط, وليس صدفة ان صفحات (القلوب) في الصحف, بما فيها (واشنطن بوست) الرصينة قد وصلت إلى أربع صفحات كاملة أسبوعيا. إن الأمريكي يتعامل مع الحب, مثل الهامبرجر, باعتباره وجبة سريعة... فالزمن هو المال, والأمريكي يملك كل الوقت للمال وليس للحب. وليس صدفة بالتأكيد ان (لقاءات) الرئيس بيل كلينتون مع لوينسكي في المكتبة المجاورة للمكتب البيضاوي في البيت الأبيض لم تكن تزيد عن دقائق... في كل مرة, إن الرئيس الأمريكي ربما يفتقد أشياء كثيرة... ليست السرعة من بينها. أرانب وسلاحف هذا يقودنا إلى أخطر احصائية ظهرت في أمريكا عن ضحايا السرعة, والأمريكي هو أكثر أهل الأرض غراما بالسرعة كما بالاحصاءات, وتقول الاحصائية, وقد صدرت عن مصلحة المواصلات ان الأرصفة في أمريكا باتت من أبرز الأماكن خطرا, وانه في عام 1996 وحدة قتل (4300) شخص بينما كانوا يسيرون على الأرصفة, أما ما هو أخطر من الرصيف فهي الأماكن المخصصة لعبور المشاة حيث قتل في العام نفسه (7600) شخص بينما كانوا يعبرون الشوارع من الأماكن المخصصة للعبور. كيف يموت الأمريكي بينما هو يمشي على الرصيف. يرد الاحصاء ببساطة: تجتاحه سيارة مسرعة, والسبب الأبرز هو ان الأرصفة ضيقة لا تتيح له مجالا للمناورة أو الهروب, بينما الشوارع واسعة تسمح للسائق أن يطير. أما بالنسبة للمشاة العابرين الذين تجتاحهم السيارات فيشير الاحصاء إلى ظاهرة أمريكية باتت واسعة الانتشار, وهي البدانة أو السمنة, فيقول التقرير ان ما يزيد عن 40 بالمئة من الأمريكيين يعانون من السمنة, وبالتالي فانهم عندما يريدون عبور الشارع فإنهم لا يستطيعون العدو ولا الهرولة... ومن هنا يتحولون إلى طرائد سهلة أمام السيارات المسرعة. وفي هذا الصراع بين الأرانب والسلاحف تدخل الكونجرس الأمريكي ورصد ميزانية كبيرة لانقاذ السلاحف, واشترط على كل ولاية تريد الحصول على حصتها من هذه الموازنة (أن تمنع سائقيها من التعامل مع المشاة باعتبارهم من الأعداء) وان تزيد من اتساع أرصفتها و... كذلك من عدد (المطبات) التي ترغم السائقين على تخفيف سرعتهم. وقبل صدور هذا القانون كنت أعتبر ان بناء المطبات وقف على دول العالم الثالث. يهدر حياته ليكسب الوقت هذا في امريكا, اما على الجانب الآخر من المحيط الاطلسي, فقد قال لي محام بريطاني كنت برفقته في (الهايدبارك) : ان ما لا استطيع فهمه هو لماذا يلهث الامريكي دائما, انه (يهدر) عمره وهو يحاول ان يكسب الوقت, كأنه في (ماراثون) لا يتوقف, ومع ان الامريكي يعرف الكثير عن امريكا اللاتينية الا انه لا يعرف شيئا عن (البيت) ــ وقت القيلولة ــ أليس هذا غريبا؟ ويضيف صديقي البريطاني متسائلا: هل تعرف لماذا نجحنا في استعمار الهند ولفترة طويلة؟ لأننا ببساطة كنا نملك التقليد العظيم وهو ما نسميه (شاي ما بعد الظهر) ان هذا التقليد البريطاني منحنا القدرة على التعامل مع المناخ في الهند, فعندما تشتد الحرارة كنا نمارس (قيلولة الشاي) كأننا في بلادنا, هذا ساعدنا كثيرا على كسر حاجز الطقس, وبقينا في الهند اكثر من أي (أبيض) آخر. كلام صديقي البريطاني أعاد الى الذاكرة محاضرة ألقاها الفيلسوف برتراندراسل في الستينات, وملخصها هو ان الخوف على الحضارة الغربية مصدره عبارة (قتل الوقت) , فالغربي بات يعتبر ان ما يفصل بين خروجه من العمل وبين عودته اليه هو (فراغ) ووقت لابد من قتله, بينما هذا (الفراغ) ما هو في الواقع الا (فسحة الحرية) والخروج من عبودية العمل الى آفاق الاختيار والابداع... والراحة. الفضيحة في بريطانيا ولعل هذا (البرود) البريطاني هو ما دفع صحيفة (صانداي تايمز) لتفرد في صفحتها الاولى مساحة واسعة لفضيحة استخدام حيوانات مدربة في فيلم وثائقي عن الطبيعة, وفي تفاصيل هذه الفضيحة ان قناة (آي. تي. في) دأبت ومنذ الستينات على عرض مسلسل (البقاء) في حلقات اسبوعية, وهو مسلسل يتم التقاط صوره في مشاهد حية من الغابات والجبال والبحار, ويعرض لصراع البقاء بين المخلوقات البرية, ولأنه مسلسل وثائقي فقد خصص مبلغ 250 الف جنيه استرليني لتصوير كل حلقة, باعتبار ان التصوير يحتاج الى وقت طويل من الرصد والانتظار والمتابعة لالتقاط اللحظات الدرامية في حياة الحيوان المنشود, ولكن ما حدث هو ان الشركة المنتجة للمسلسل قررت تقليص المبلغ الى 200 الف جنيه استرليني عصرا للنفقات و... لزيادة الارباح عن كل حلقة, وهنا ما كان من المصورين الا ان لجأوا الى (عصر) الوقت بدورهم, وبدلا من ان ينتظروا على السواحل في كينيا ظهور (الضبع المخطط) لتصوير حلقة بعنوان (حكاية المد) , فإنهم حملوا معهم الى كينيا ضبعا مخططا ومدربا مع حيوانات اخرى ألقوها جميعا على الساحل الكيني وبدأوا في تصوير الصراع بينها من اجل البقاء... بقاء المسلسل وليس الحيوانات بالطبع. قيامة البريطانيين قامت ولم تقعد, وتساءلوا بغضب: كيف تعرضون علينا وعلى اولادنا فيلما وثائقيا عن سلوك الحيوانات في الطبيعة, بينما هذه الحيوانات مدربة وتعمل وفق سيناريو معد سلفا لا علاقة له بالبراري ولا الغابات ويجعل من الحيوانات نجوما في الاستديو وليس في الطبيعة؟ مصورو الفيلم وصاحب السيناريو, ردوا ببساطة: الميزانية لا تكفي, وعامل الوقت مهم في عصر النفقات, نحن نعرف ما يحدث اذا التقى الضبع المخطط مع الضب العملاق, ان معركة لابد ان تقع بينهما, وبدل ان ننتظر كي يتم هذا اللقاء صدفة, فقد قررنا جمعهما في المكان المناسب... وهذا وفر لنا الكثير من الوقت...!! اذا كان (الوقت هو المال) فلاشك ان العربي يعتبر من اثرياء الارض فهو يملك من الوقت اكثر من اي شيء آخر... وهذا الوقت غير مستعمل وبالتالي فهو صالح للتصدير (!).