للوحة في حياتها معنى كبير, وللألوان المائية في قلبها عشق خاص تكرس منذ البداية لارتباطة بالبحر وزرقته المدهشة, فقد احبت الرسم منذ الصغر, وكبرت معها الهواية في الصفوف الدراسية وبين اروقه الجامعة التي درست فيها الفنانة التشكيلية سوسن خميس (التربية الفنية) لتستكمل الموهبة بالدراسة الاكاديمية , وتتخرج بعد ذلك بتقدير امتياز في اول دفعة في هذا المجال من جامعة الامارات في مدينة العين, ولتكون بذلك اول طالبة من ابوظبي تتخرج من هذا القسم. وبعد التخرج تدربت في عدد من المدارس في الدولة لكنها لم تلتحق بمهنة التدريس- لاسباب سترد في ثنايا الحوار وفضلت العمل في المجمع الثقافي بابوظبي, ثم تسلمت ادارة المرسم الحر واشرفت على الدورات التي ينظمها, ثم تركت المرسم الى قسم المعارض في المجمع حيث تعمل حاليا, شاركت في عدد من المعارض الجماعية في الدولة وفي دول مجلس التعاون وعرضت اعمالها في مهرجان جرش الذي يقام بالاردن وفي عدد من المناسبات والمهرجانات الوطنية والعربية, (البيان) التقتها وكان هذا الحوار. بما انك درست (التربية الفنية) في الجامعة وحاولت العمل في التدريس, كيف تنظرين الى واقع هذه المادة الدراسية في مدارسنا؟ ــ هذا بالضبط ما ابعدني عن العمل في تدريس التربية الفنية, فقد وجدت ان هذه الحصة تنتمي الى الترفية وقتل الوقت اكثر مما تنتمي للابداع وتنمية المواهب, فالمدرسة هي نفسها لسنوات طويلة, والمنهاج يتكرر وامكانية التجديد والابتكار شبة معدومة, ولكي ابتعد عن هذا كله اقترحت عليهم العمل كمدرسة متنقلة في عدد من المدارس لتتسنى لي الفرصة للعطاء على نحو ابداعي افضل, ويبدو ان الفكرة لم ترق لهم او انها كانت جديدة فلم تحظ بالموافقة رغم نجاحي في الامتحان الذي يجرى للمدرسين. وهل وجدت ضالتك في المجمع الثقافي؟ ــ الى حد كبير حيث تتاح لي هنا فرص العمل مع الفنانين ولقائهم والاستفادة من مشاهدة اعمالهم, علاوة على توفر حرية الابداع للرسم والتطور المستمر وتنمية الذات والموهبة. من خلال عملك في المرسم الحر ما هي المشكلة الحقيقية التي تواجه هذا المحترف ولماذا لم نعد نلمس الاقبال السابق على دوراته ونشاطاته؟ ــ اعتقد ان الاقبال موجود, لكن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود الفنان الذي يمتلك القدرة على التدريس, اذ ان هذه قدرة تختلف عن الرسم, فالفنان قد يكون ناجحا في اعماله ومتميزا في لوحاته لكنه لا يمتلك القدرة على التدريس وتوصيل المعلومة, نحن بحاجة الى فنانين اكاديميين وتربويين في الوقت نفسة يقدمون عطاءهم وافضل ما عندهم كمبدعين وليس كموظفين يؤدون عملا روتينيا فالرسم ليس وظيفة بل مشاعر واحاسيس واذا لم تتوفر للشخص القدرة على العطاء يتوقف ابداعة. ولماذا تركت المرسم؟ ــ اظن ان المرسم يحتاج الى اشخاص اكاديميين اكثر تخصصا مني, صحيح انني خريجة تربية فنية لكنني استطيع تدريس مراحل معينة كالابتدائية والاعدادية وتعليم الشباب الموهوب يحتاج الى فنانين واساتذة اكثر خبرة واطلاعا وتجربة, لقد تمكنت من ادارة المرسم على نحو ناجح لكن التعليم مسألة اخرى, لهذا اركز واكرر ان المرسم ينبغي ان يستضيف هؤلاء ولا يكرر الاسماء لكي تتحقق الفائدة ويقدم كل منهم افضل ما لديه ثم يأتي من يكمل بعده وهكذا دواليك حتى يتحقق للمنتسب الى الدورة ما يحتاج اليه. لماذا تصرين على رسم التراث فقط؟ ــ الحب والاعتزاز بهذا التراث هما الدافع, ورغبتي في تمثيل بلدي في اي مكان لان من يرى اعمالي يعرف انني خليجية على الاقل, ثم ان هذا التراث هو كل ما يحيط بي, فهذه بيئتي وفيها اعيش واراها امامي ومن الطبيعي ان تجد حضورا في اعمالي. وموضوعات المرأة, ألا تستحوذ على اهتمامك؟ ــ لا اعتبر نفسي امرأة بالمعنى التقليدي او الشائع للكلمة, بل اجد نفسي فردا في هذا المجتمع ترى وتتأثر وتنفعل بكل ما يجري حولها تماما كالرجل, وبهذه النظرة انجز اعمالي الفنية فأنا فنانة في النهاية, واذا اردت ان اضع في تقديري انوثتي فعلي ان اجلس في البيت وامارس الخياطة افضل لان هذا هو المرغوب من المرأة. أي انك لا تؤمنين بخصوصية نسوية في العمل الفني؟ ــ ولا في اي نوع من الابداع او شؤون الحياة, لم يعد هناك فارق بالمعنى التقليدي بين الرجل والمرأة, حتى تقسيم العمل بينهما يحتاج الى اعادة نظر, فالمرأة الآن تعمل كالرجل وتنتج كما ينتج, وفي عصر التطور العلمي والتكنولوجي وما تشهده من حضور النساء في شتى المجالات يصعب الحديث عن فروق بين الرجل والمرأة خصوصا في الابداع, فالعمل الجيد يفرض نفسة سواء انجزته يد الرجل او المرأة. تتحدثين عن تغير في الدور التقليدي للمرأة ودخولها معترك العمل, هل كان لهذا التغير سلبيات ما في نظرك؟ ــ ربما حين تكون المرأة غير واعية وتنشغل بعملها على حساب منزلها واسرتها واطفالها, لكن المرأة الواعية تستطيع التنسيق والموازنة بين الامرين, فمن الخطأ ان يستغرقها العمل وهمومه وواجباته لان هذا سيؤثر على اسرتها, ومن الخطأ ان يستغرقها المنزل ويبقيها حبيسة الجدران لان هذا سيجعلها محدودة التفكير والثقافة ولن يسمح لها بتطوير قدراتها ووعيها وثقافتها وموهبتها علاوة على اننا مطالبات ( وأرى هذا واجبا وطنيا مقدسا) بالعمل والمشاركة في بناء المجتمع والتقدم المستمر التي تشهده دولتنا, اذ من غير المعقول ان لا نسهم بشىء في ما يحدث ونجلس في البيوت للثرثرة وتتبع الازياء وصرعاتها لهذا لا يليق بالمرأة في القرن العشرين وفي عصر العلم والتطور. وما دور الرجل في دفع او اعاقة هذا الجهد المبذول من المرأة؟ ــ دور هام جدا, اذ ان المرأة تحتاج الى تفهم الرجل ودعمه وثقتة في قدراتها لكي تحقق طموحاتها, فالتفاهم المشترك بين الاثنين (في حالة الزواج مثلا) سوف يوفر لها الجو الهادىء للعمل والعطاء, في حين ان عدم تقبل الزوج او الاخ او الرجل بشكل عام في المجتمع لعملها وتميزها سيوصلها الى مرحلة حرجة تضطر فيها للاختيار بين العمل او البيت وكلاهما صعب لان الخسارة كبيرة في الحالتين. الى اي مدى نجحت المرأة في الامارات فنيا؟ ــ اعتقد انها نجحت واثبتت جدارتها محليا وعربيا وعالميا, ولدينا نماذج نسائية مشرفة على المستوى الفني- اذكر على سبيل المثال فقط نجاة مكي. ألا تعتقدين ان هذا النجاح فردي, وان هؤلاء حالات خاصة ولسن ظاهرة؟ ــ هذا طبيعي لان الامارات تطورت بشكل سريع جدا في شتى المجالات, ولم يواز هذا التطور ما يحدث من تقدم في وضع المرأة رغم اهمية ما حققته المرأة في الامارات في مختلف المواقع, ولو كان تطور المرأة يسير بنفس الوتيرة والتسارع الذي شهدته الدولة لكانت الآن في القمة, لان تجربة الامارات معجزة بكل المقاييس, اضافة الى وجود بعض العادات والتقاليد التي تمنح حضورها الاجتماعي, لكنها لا تمنعها من المشاركة في المعارض بإرسال اعمالها دون ان تتواجد بشخصها, وكثير من الفنانات عرفن وظهرن من خلال اعمالهن التي سافرت الى مختلف دول العالم عبر معارض الدولة التي تقام في الخارج ومن خلال المؤسسات الفنية والثقافية المختلفة. بصراحة ما رأيك في المعارض التي تقام في المجمع؟ ــ مهما كانت سلبيات المجمع او ايجابياته علينا ان نعترف بأنه المكان الثقافي الوحيد في البلد الذي اخذ على عاتقة رعاية الفنون والثقافة والذي اصبح بيت المثقفين والفنانين وساهم بعد ذلك في ظهور جهات ومؤسسات ثقافية اخرى, ومن الطبيعي ان يتسم نشاط اي جهة رائدة في اي مجال ببعض السلبيات فهذه ضريبة طبيعية للبدايات, لكن مستوى المعارض مؤخرا مرتفع وجيد رغم بعض السلبيات الصغيرة التي لا تؤثر في العمل الاساسي, ويكفي ان المجمع له بصمة واضحة في هذا المجال. لماذا تصرين على استخدام الالوان المائية في اعمالك؟ ــ ربما لانها تعبر عني على نحو افضل, وتعيدني الى حالات الطفولة والبراءة, كما ان اغلب الفنانين يرسمون بالالوان الزيتية وقليل منهم من يرسم بالمائيات لصعوبتة من الوجهة التقنية, فالخطأ في الرسم المائي يفسد اللوحة خلافا للزيتي الذي يمكن اعادتة والعمل عليه, اضافة الى سبب آخر دفعني للهروب من الزيت وهو اضراره على الصحة مستقبلا, وحاجته الى مكان وتهوية في حين ان المائي لا يحمل هذه الخطورة ويمكن الانتقال به الى اي مكان. هذا يعني ان بامكانك الرسم في اي مكان دون اشتراط طقوس معينة؟ ــ نعم شريطة ان تتوفر الرغبة في الرسم بالطبع. وحين ترسمين في البيت, هل ثمة اشياء ترافقك؟ ــ نعم, الموسيقى التي اندمج فيها وانسى كل ما حولي. كيف تختارين موضوعاتك, وما دور الصورة فيها؟ ــ بالطبع انا ارسم التراث كما تعلمين واعتمد على الصور في احيان كثيرة لان بعض مفردات التراث اندثرت او لا توجد حولي في الشارع, لكنني لا انقل الصورة حرفيا وغالبا ما اغير في الالوان والمساحات واعتمد على احاسيسي تجاه المشهد, وقد ارسم جزءا من الصورة ارى فيه ما ارغب قولة فيكون هو اللوحة كلها. ماذا يعني لك البيت؟ ــ القيد وغالبا ما احب ان اكون في الخارج. - واللون؟ ــ متعة النظر ووسيلة راحة, واحبه رقيقا لطيفا, فاللون الخشن يوحي بالعنف وهو امر لا احبه. - والفن؟ ــ محاولة لعرض اجمل ما في الحياة امام المشاهد واسعاده. - لكن الحياة مليئة بما قد يجلب الحزن وليس السعادة, والفنان في النهاية يترجم مشاعره وقد تكون حزينة ومحزنة؟ ــ صحيح ان انفعالات الفنان تؤثر في عمله, لكن يستحسن ابعاد المشاعر السوداء عن العمل الفني والبحث عن المفرح وتصويره, اذ ما ذنب الجمهور ليحتمل كآبة الفنان او سوء مزاجه؟ - وهل يمكن ان يكون الفنان محايدا الى هذا الحد؟ ــ بالنسبة لي نعم, انا اتصرف على هذا النحو. - لماذا توقعين اسمك بالانجليزية؟ ــ وما العيب في ذلك, يقولون لي هذا اسلوب اجنبي ويعتقدون انني انجليزية, ثم يدهشون كثيرا حين يعرفون انني اماراتية ولا يصدقون ان هذا العمل من ابداع مواطنة!! - وما الذي تطمحين اليه فنيا؟ ــ ان يعرف اسمي ويكون لمعرضي الاول ميزة خاصة وبصمة واضحة. - متى ستقيمين المعرض واين؟ ــ ربما في عيد الاتحاد حيث احتاج الى بعض المواد لانجاز لوحاتي الخاصة بجزيرة صير بني ياس, حيث اشتغل حاليا على بيئة وحيوانات هذه المحمية الجميلة التي اعتبرها من مفاخر التجربة الاماراتية في الحفاظ على البيئة وحمايتها. حوار ــ شهيرة احمد