مرة اخرى فعلها هنيدي.. صاحب الوجه الطفولي والجسد الصغير الذي كان قبل عام واحد مجرد ممثل من الدرجة الثانية أو الثالثة.. يثبت الآن ان النجاح المذهل للفيلم العادي جدا(اسماعيلية رايح.. جاي)لم يكن مصادفة.. فها هو مع مجموعة من شباب الممثلين وبدون نجوم ومع مؤلف ومخرج وطاقم عمل ليس لهم تاريخ في السينما التجارية , هاهو يحقق نجاحا جماهيريا غير مسبوق, ويخترق فيلمه الجديد (صعيدي في الجامعة الامريكية) حاجز المليون جنيه في اسبوع عرضه الاول. والفيلم ليس تحفة سينمائية, ولكنه ليس مبتذلا. والناس تذهب اساسا لمشاهدة هنيدي, وهو ما يجعله ظاهرة فنية جديدة جديرة بالتأمل. انه ليس عبقرية سينمائية ومسرحية, ولكنه ممثل جيد شق طريقه بصعوبة, ولأنه مازال يعيش مع اسرته في حي امبابه الشعبي فهو الاقرب الى حس الناس في هذه الأحياء ومعرفة احتياجاتهم الفنية. ولان تكوينه الجسماني ووجهه الطفولي لايمكنانه من ان يكون (رامبو) أو (امتياب باتشان) أو الفتوة الذي يضرب الجميع أو الدون جوان الذي تقع البنات في هواه, فقد كان لابد ان يبحث عن طريق آخر.. وهكذا اصبح الولد الشقي خفيف الظل الذي يستخدم ذكاءه بدلا من عضلاته. كما اصبح جزءا من فيلم وليس الفيلم كله.. كما تعود جمهور السينما والمسرح في السنوات الاخيرة في افلام النجوم اصحاب الجماهيرية الطاغية.. وخاصة عادل امام ونادية الجندي. وفي حفل افتتاح فيلم هنيدي الجديد, غاب النجوم وغابت الشخصيات العامة.. ربما لأننا في موسم الاجازات من ناحية, ولان الكثيرين مشغولون بالمسرح الصيفي من ناحية اخرى. وكانت الظاهرة هي احتشاد الشباب من الممثلين والممثلات والمبدعين في باقي فنون السينما والاهم من احتشاد هؤلاء كانت نظرات الفرح في العيون. فهذا جيل ــ رغم الفرص الهائلة التي وجدها في التلفزيون وفي المسرح التجاري ــ لم يجد نفسه بعد, ولم يحقق ذاته وخاصة في السينما. ومن سوء حظ هذا الجيل أنه نشأ وسط ظروف غير مواتية.. فالمسرح الحقيقي انتهى ولم يبق إلا المسرح التجاري بمواصفاته الرخيصة في معظم الاحيان, وبالتوليفة الشهيرة التي تضم بعض الرقصات وبعض النكات والايحاءات الجنسية وثمة شيء من الغناء وحدوته تافهة تربط هذا الخليط.. وفي ظل هكذا (مسرح) اصبحت فيفي عبده هي الممثلة الاولى وتنافسها الان دينا (قبل الاعتزال وبعده) وهياتم (قبل تبادل الضرب والكسور مع ابطال مسرحيتها الأخيرة وبعده) ويتنافس نجوم السينما مع نجوم التنكيت على بطولة المسرحيات.. ولاينجو من ذلك الا محمد صبحي وعادل امام الى حد ما. ومن سوء حظ هذا الجيل انه ظهر في ظل ازمة سينمائية طاحنة انخفض فيها حجم الانتاج ذات عام الى خمسة أفلام, ورغم ان الرقم عاد الى الارتفاع إلا انه مازال بعيدا عن المستويات العادية.. وحتى هذا الرقم الهزيل من الافلام يخضع في معظمه لمواصفات يفرضها الموزع الخارجي الذي يشترط ــ لكي يضمن فلوسه ــ نجوما بعينهم وموضوعات بعينها ومواصفات لاتخرج كثيرا عن مواصفات المسرح التجاري. وهكذا ظل سباق النجوم طوال العشرين عاما الماضية محصورا في مساحة ضيقة للغاية. يأتي العيد فينشغل الوسط الفني بالصراع بين عادل امام ونادية الجندي على احتلال اكبر عدد من دور السينما الممتازة, وقد يجاورهم على استيحاء فيلم لأحمد زكي أو محمود عبد العزيز أو ربما نور الشريف, وفي ممثلات الدرجة الاولى لم يعد هناك إلا يسرا وليلى علوي. وفي الوقت الذي ظهرت فيه أجيال جديدة في عالم الغناء.. من هاني شاكر والحلو والحجار, الى عمرو دياب وكاظم الساهر. ومن عفاف راضي وميادة الحناوي الى انوشكا. بقي الوضع على ماهو عليه في السينما. ربما لان حركة الاغنية اسرع, وربما لأن التكلفة لاتقارن بين انتاج شريط كاسيت وانتاج شريط سينما, وربما لان السوق المحلي هو الذي يحدد المواصفات المطلوبة, ولا أثر هنا للموزع الخارجي في تحديد الغناء المطلوب. الان .. وبعد عشرين سنة من الركود, يتحرك الماء في الوسط السينمائى, ويصبح هنيدي نجما, ويظهر الى الساحة فيلم بأسماء لا تعرفها ولم ترها الا على الهامش.. فيكسر الدنيا. فنجوم (صعيدي في الجامعة الامريكية) مع هنيدي كلهم من الوجوه الشابة.. منى زكي واحمد السقا وطارق لطفي وسهام جلال, وغادة واميرة فتحي ومستورة (اسمها كده!) .. هل كنت تتصور ان هؤلاء مع مؤلف نصف معروف ومع مخرج لم يظهر له إلا فيلم واحد فشل جماهيريا هو (الحب في الثلاجة) يمكن ان يفعلوها, وان يجعلوا دور السينما تتخاطف فيلمهم, ونجوم الشاشة ينتظرون بأفلامهم حتى تمر (الهوجة) ويعود الهدوء للساحة الفنية! انا شخصيا اعتقد انها حالة تمرد. فالناس (زهقت) من التكرار.. نفس الوجوه ونفس التوليفة ونفس الافلام, والناس تبحث عن الجديد على الدوام. ولايعني هذا انه الافضل ولكنه ــ بلا شك ــ اقرب الى إحساس اجيال جديدة وطريقتها في التفكير وفي الحياة. وربما لهذا السبب يفرح الفنانون الشباب بنجاح هنيدي. انهم يرون انه يفتح الباب امامهم جميعا. ويعلن نهاية المعادلة السينمائية القديمة. وللحق ينبغي هنا ان يحسب لفيلم (ناصر 56) أنه اسقط المعادلة السينمائىة القديمة من جانب آخر, صحيح انه استعان بنجم من وزن أحمد زكي, ولكنه لم يلجأ بعد ذلك الى اي عنصر من عناصر السينما التجارية, وكان نجاحه الباهر إيذانا بأن الجمهور اصبح جاهزا ليخرج من شرنقة التوليفة المفروضة عليه من تجار السينما والموزعين الخارجيين. وقبل ذلك كانت الافلام الوطنية لاتحقق ايرادا يذكر. الآن.. يبدو (الزهق) أو (الزهقان) واضحا, وافلام الكبار في الموسم الماضي لم تحقق النجاح المنتظر في الوقت الذي حقق فيلم (اسماعيلية رايح.. جاي) أول انطلاقات هنيدي 16 مليون جنيه فوق تكاليفه التي لم تزد على نصف مليون جنيه فقط لاغير! والناس عندها حق في حالة الملل أو (الزهقان) التي تمسك بخناقها. فكل شيء راكد.. في السينما, وفي المسرح, وحتى الغناء الذي ظهرت فيه أجيال جديدة أصبح راكدا ومملا وتشابه كل المطربين وتشابهت كل المطربات حتى اصبحنا نطلق على المرحلة الحالية في الغناء.. المرحلة الصينية! والملل لايقتصر على الفن, بل يمتد الى كل شيء.. نفس الوجوه في الاحزاب السياسية منذ ان نشأت هذه الاحزاب. ونفس الافلام في الصحف, ونفس الوجوه في البرلمان. والتغيير رغم الاعتراف بأنه ليس حراما.. فهو مكروه! ونعود الى السينما بسرعة قبل ان تجرفنا السياسة الى بحورها العميقة, وليس هذا هو المكان أو المجال لذلك, ونتذكر هنا ان فرحة الاجيال الجديدة من الممثلين الشبان بنجاح هنيدي لاتعنى ان الابواب ستفتح لهم بدون جهد. بل إنها تفرض عليهم مسؤولية تقديم الجديد والجميل الذي قد لا يكون هنيدي قدمه, ولكنهم سيكونون مطالبين به امام الجماهير, وهنيدي نفسه ينبغي ان يكون أول المنتبهين لذلك والا توقف في مكانه وانحسر نجاحه. والأمل هنا ان نجاح هنيدي سوف يدفع المنتجين لتكرار التجربة, وسيغريهم بالرهان على الشبان, وسيعيد الى الشاشة مخرجين كبارا هجروها لأنهم لم يعرفوا كيف يتوافقون مع شروط السينما ونجومها. ان مخرجا كبيرا مثل توفيق صالح يجلس في منزله منذ سنوات لانه لايعرف كيف يتعامل مع منتجين من تجار الخيش, وموزعين يفرضون على الفيلم.. الراقصة والموضوع التافه والبطل الذي يضرب كل الممثلين والكومبارس.. وربما الجمهور ايضا! ومحمد خان أعلنها صريحة.. ان النجوم افسدوا كل شيء, وجلس يبحث عن حل.. وسمير سيف شغل نفسه بالتحضير للدكتوراه واخراج افلام للاقباط فقط!! وعلي بدرخان يشغل نفسه بالاشراف على مدرسة أطفال افتتحها!! هؤلاء لابد أن يعودوا, وهم يستطيعون مع مخرجين جدد لمعوا في السنوات الاخيرة ــ رغم الازمة ــ ان يقدموا السينما الجديدة التي ننتظرها. وتبقى نقطة اساسية.. فالبعض يرى ان مولد نجم جديد يعني موت نجم قديم, وان انطلاق فنان جديد يعني انحسار فنان له تاريخه وقيمته وانجازه. وبالتحديد يتصور البعض ان انطلاق هنيدي يعني نهاية عصر عادل امام! ولايصح ذلك الا في المجتمعات التي لاتعرف كيف تجدد شبابها على الدوام.اما في الظروف الصحية فإن الاجيال تتجاور, والتجديد يتواصل, والقديم يعرف كيف يتعايش مع الجديد, والجديد يعرف كيف يضيف الى القديم. وفنان مثل عبد الوهاب ظل حتى التسعين يبدع ويتطور. وفنانون مثل يوسف وهبي أو عماد حمدي أو فريد شوقي ظلوا حتى نهاية حياتهم يشاركون في المسيرة الفنية, بل وقدم بعضهم في مراحل متأخرة من حياته بعض أجمل ادواره. والريحاني في السينما لم يكن الشاب الوسيم أو (رامبو) الذي يضرب ويلاكم ويلعب الجودو, ومع ذلك ابدع وكتب اسمه في تاريخ الفن. المهم ان يتطور الفنان, وان يعرف كيف يقدم نفسه في كل مرحلة, وان يحتفظ بقيمته الفنية ولياقته البدنية والذهنية, ولايعاند التاريخ. وعادل امال فنان ذكي, واعتقد ــ شخصيا ــ انه ضيع بعض اجمل سنوات عمره في اعمال لاقيمة لها. وانه قد يكون مقبلا على مرحلة يقدم فيها الأجمل والافضل اذا عرف كيف ينتقل من مرحلة الى مرحلة.. من مرحلة كان فيها النجم الاوحد الى مرحلة يشارك فيها الآخرين في مشروع فني يخاطب المستقبل ويتحاور مع العقل وينشر المتعة والبهجة.. فهل يفعلها؟!