يرتبط تاريخ صناعة الكتاب ارتباطا وثيقا بظهور الطباعة, اما في العصور القديمة حيث لم يكن للكتاب في شكلة الحالي الذين نعرفة وجود فكان الاعتماد على وسائل بدائية لعرض افكار الناس وتسجيل تاريخهم, وقد بدأت اولى المحاولات منذ اكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد على الارجح بالحفر على الحجر وعلى الالواح الخشبية ثم الالواح الطينية كما تروي كتب التاريخ ودراسات الحضارة الانسانية ثم تطور الامر للكتابة على ورق البردي والرق, ولم تكن اللغة بالمفهوم العصري للغة قد عرفت بعد, وكان التعبير يقترب من رسم صور واشكال اكثر من اشتماله على حروف, وبمرور الوقت تطورت هذه الصناعة فظهرت المخطوطات المدونة يدويا وكان المداد هو المادة المستخدمة في الكتابة, ولانها كانت تطوى سميث آنذاك باللفائف وغالبا ما كانت تمسك اللفافة بشريط لاصق مثبت في نهايتها للحفاظ عليها وحمايتها. وفي القرن الرابع الميلادي توصل الرومان الى طريقة افضل من هذه وذلك بثني المخطوط من منتصفة الى نصفين بحيث كان يشبة ما نسمية اليوم (الملزمة) وقد سمى هذا بالمخطوط الكراسي, اما لفائف الاغريق فكانت تأخذ الشكل الاسطواني, وفي الحقيقة لم يحدث من الوجهة التاريخية اتفاق حول اي من الشعوب كان له قصب السبق في صناعة الكتاب, فهناك من يعتقد انهم قدماء المصريين, وهناك من يعتقد انهم الصينيون وفريق ينسبه الى اهل بابل وآشور ورابع الى الاغريق والرومان, ويرى الدكتور موريس ابو السعد ميخائيل المتخصص في شؤون المكتبات والنشر العلمي ان لكل حضارة من هذه اسهام ما, وان محصلة هذه الاسهامات هي التي مكنتنا من الحصول على الكتاب الذي بين ايدينا الآن. ولكي تتوفر للكتاب الذي تطور على نحو مذهل منذ اكتشاف الطباعة ودخلت في تصنيعه الآلات والمكائن والاجهزة شروط الحماية كان لابد من تجليده والتفنن في صناعة غلافه او (الجاكيت) في عرف اصحاب هذه الصناعة ومنهم محمد عبده المسؤول الفني عن تجليد وترميم الكتب في المجمع الثقافي, الذي تتبعنا معه مراحل التجليد خطوة بخطوة ورصدتها عدسة (البيان) بالصور. يذكر محمد عبده ان هناك ثلاثة انواع من التجليد هي: التجليد الفاخر, والتجليد العادي (الورقي), والتجليد الميكاني (مثل الحلزوني) ويدخل فيها اكثر من ماكينة واكثر من خطوة يمكن ايرادها على نحو مسلسل وتبدأ بالطي ثم التجميع, ثم الخياطة او التدبيس او التجليد بالبشر, ثم التعريش (التشذيب) ثم اعداد الغلاف ثم تشطيب الكتاب. ويمكن القول ان التجليد العادي هو ابسط مراحل التجليد وتتم اما بسلك لولبي يوضع في الورق بعد تخريمة, ثم يوضع البلاستيك لحماية الورق, او عن طريق دبوس مع تركيب الغلاف وكعب من البلاستيك او المشمع حيث يتم تسوية الورق ووضع الدبوس في الكعب ثم تعريش اي تهذيب الورق بقص الحواف حول الرأس والذيل والهامش , والرأس هو بداية الكلام المكتوب, اما الذيل فهو نهايتة في حين يقع الهامش على الجانب, وتكتب على الكعب المعلومات الخاصة بالكتاب كالعنوان واسم المؤلف والناشر والاجزاء ان وجدت, وفي بعض الاحيان يكون تغليف الكتاب شاملا حيث يتم تصوير العنوان ووضعة على الكعب والوجه معا. وفي النوع الثالث من التجليد العادي تتم تغرية الكعب خصوصا في حال كانت الكتابة على حافة الكعب ولا توجد مساحة بيضاء لادخال الدبوس او السلك, والتغرية تعني ازالة آثار التجليد السابق بقص 2ملم او 1ملم من الكعب, ثم نشره بالمنشار الخاص, ثم تغريتة على ماكينة بميلان او زحفان الكعب على اتجاهين ليتخللة الغراء ويصل الى كل ورقة, وبعدها توضع قطعة من النسيج (الشاش) على الكعب ثم يوضع وجه آخر من الغراء ثم تلصق الاوراق, وتجري عملية مونتاج لعنوان الكتاب على الوجه والكعب وتصوير الغلاف ولصقه وتنظيف الحواف. وقد يظن القارىء الذي لا يخطر بباله هذا الجهد وهو يجد الكتاب بين يدية جاهزا ان هذه العمليات سهلة, لكن هذا ليس صحيحا فالامر يحتاج الى دقة وخبرة ومهارة فنية لأن الخطأ في القص لا يمكن اصلاحه, والفنيون المحترفون يقولون: خطأ المقص مثل الاعدام لا يمكن بعد تنفيذه فعل شىء, كما ان فيه من الابداع والابتكار الشيء الكثير, لأن التجليد فن وحرفة وابداع ومهارة وذوق جمالي وفني يدل على صانعه. اما التجليد الفاخر فهو متنوع ومتعدد لكن جميع الانواع تعتمد اسلوب التغرية حيث ينظف الكعب من الآثار القديمة, ثم توضع ورقة بعد الغلاف حماية له, فنشر الكتاب فالتغرية بنفس حركة الميلان فوضع الشاش ثم تغريتة ثم ضغط الكتاب باستخدام الحديد او (الكبس) وهي عملية تستغرق ما بين اربع ساعات الى يوم ثم يعرض بعدها الكتاب للهواء ليجف بشكل طبيعي, بعدها ينزع الشاش والغلاف وورق الحماية وتعمل بطانة جديدة للكتاب وهي عبارة عن ورقة تلصق من النصف على الكتاب ثم يلصق فوقها الشاش ويقص الكتاب ويعرش (اي يهذب) ثم يدور الكعب وتلصق (حبكة) من القماش لتجميل وتجليد الكتاب, ويلصق الكعب على الحبكة والبطانة لحمايتها مع الكعب معا. وفي عملية الترميم يتم قص الكرتون الى قطعتين متساويتين, وقطعة للكعب تسمى (كاراتينة) بما يناسب ارتفاع الكعب وبحيث تزيد الكرتونة من جانب الرأس والذيل بمسافة نصف سنتيمتر لكي يكون الورق داخل الغلاف, ثم يفصل مشمع لتحويل الكتاب من تجليد عادي الى فاخر وازالة الجلدة القديمة وهذه تتم بطرق عديدة اهمها المشمع, الجلد, كعب وتلبيس, كعب واركان وغيرها, ويمكن استحداث طرق اخرى باستمرار وبعدها يتم دهن الجلدة ووضع قطع الكرتون الثلاث وثني الحواف الى الداخل. وفي المرحلة الاخيرة يأتي التذهيب, وهو ليس الكتابة بالذهب كما قد يرد الى الذهن وربما يكون بالفضة او بأي لون آخر اضافة الى اللون الاصفر (لون الذهب) وتتلخص طريقة التذهيب في كتابة بصمة الذهب على العنوان وذلك بعد تجميع حروف العنوان واسم المؤلف والاجزاء او اي معلومات اخرى يراد وضعها على الكعب, وصفها (اي الحروف) حسب مساحة الكعب طولا او عرضا وببنط 24 او 36 وغالبا ما يكون البنط الكبير بالعرض والصغير بالطول, والعرض افضل بطبيعة الحال. توضع جلدة الكتاب على مصف او جهاز صف الحروف حيث يتم تجميعها بعد تحديد مسافة الكعب ووضعها في القياس المطلوب, ثم وضع جداول حلية وفواصل ما بين العنوان والمؤلف والجزء على (صينية الحروف) ويتم توضيبها على النحو المناسب, ثم اغلاقها ووضعها في ماكينة التذهيب. وتحتاج الحروف من 15 الى 20 دقيقة كي تسخن وعندها يتم طباعتها على ورقة بيضاء للتأكد من صحة جمع الحروف, وبعد التأكد توضع ورقة صفراء او فضية او من اي لون آخر ويضغط عليها على نحو رهيف وبحساسية شديدة, وبعد ظهور الحروف عليها يتم تفريغها من الورقة على كعب الكتاب ويعاد توزيع الحروف مرة اخرى في الصندوق تمهيدا لكتاب آخر. ان هذه العمليات التي عرضناها باختصار شديد تقوم بدور هام جدا في حماية الكتاب, وهي تشبه اعادة النضارة الى الغلاف الممزق او الاوراق المتآكلة لتعود من جديد صالحة للاستعمال, انها اشبه بعملية تجميل لوحة الكتاب الذي قد يجد منا الاهمال في احيان كثيرة, وهي نوع من ازالة آثار الزمن عن اوراقة واذا كان محمد عبده قد ورثها ابا عن جد وتعلمها منذ نعومة اظفاره, فإنها اصبحت الآن تدرس في المعاهد المتوسطة ويحمل صاحبها شهادة الدبلوم في فن الطباعة والتجليد. هذه هي رحلة الاوراق التي تبدأ حروفا مكتوبة وحتى تتحول الى كتاب يضم كنوز المعرفة وتجليات الابداع الانساني نلتقطها ونرتشف رحيقها دون ان نتذكر جهود الجنود المجهولين الذين يقفون وراءها ويقضون اعمارهم في علاقة حب لا تملك الا اجلالها واكبارها, هؤلاء العشاق الذين ينكبون على عملهم بإخلاص لا تظهر اسماءهم على الغلاف ولا حتى في قوائم المحتويات, لكنها تتجول هناك بين السطور المكتوبة بالذهب لتعلن عن قلوب تشبه الذهب تعيش بيننا ونجدها في كل المهن تصنع الألق للآخرين وتكتفي هي بمتعة العطاء ولذة الابداع حين يأتي العمل على نحو متقن. ابوظبي ــ شهيرة أحمد