هذه قصة من الزمن الجميل.. هكذا يسميه كتاب هذا الجيل الذين لم يعيشوا ذلك الزمن, وانما ألهبت خيالهم حكاياته عن مجتمع حملة الالقاب وهوانم الاحياء الراقية في مصر المحروسة فيتوهمون ان الحياة كلها كانت وردا وعسلا وحبا افلاطونيا بلا هموم.. ثم ينقلون الينا خيالاتهم على شكل مسلسلات تلفزيونية, ربما لا تجد فيها من ذلك الزمن الجميل سوى الطرابيش الحمراء الفاقعة المزروعة فوق كل الرؤوس . اما قصتنا فتبدأ مع وصول صديقنا (كاف ميم) الى القاهرة في خريف 1941 ليلتحق بالجامعة, حاملا معه كل براءة القرية وسذاجتها, ليجد نفسه بعد ايام منخرطا حتى اذنيه في جماعة من الشباب المشغولين بالقضية الوطنية والعمل السياسي, والذين يستبد بهم السخط ضد الحكومة القائمة حينذاك, ليس فقط لانها حكومة اقلية, وانما لانها كانت شديدة الولاء للانجليز المحتلين الذين تزدحم الشوارع بجنودهم وجرائمهم وامتهانهم المستمر لكرامة المواطنين.. وكان يقود هذه الجماعة باشا خطير من اكبر رموز ذلك الزمن (الجيل) فهو وزير بالحكومة التي يتهمها بالخضوع الذليل للانجليز وقطب مهم بحزب الاقلية المشارك في الحكم. وبتوجيه ذلك الوزير تشكلت لجان (ثورية) في جميع الكليات والمعاهد والمدارس الثانوية والفنية.. وكان الهدف هو تنظيم مظاهرة ضخمة تعبر عن رفض الشعب لتلك الحكومة.. وكان وراء ذلك اجماع من الباشا وكل تلاميذه على الزعيم المؤهل لخلافة الحكومة العميلة. وهو لم يكن زعيم الاغلبية على أية حال. وانما كان معروفا بعدائه الشديد لبريطانيا, وولائه الاشد للملك الشاب الذي كان يقاسي الامرين بسبب تحدى رئيس وزرائه له باستمرار, مستندا في ذلك الى تأييد الانجليز.. ومازال صديقنا.. كاف ميم.. يذكر كيف كان شعر رأسه يقف مبهورا من فرط الحماس والانفعال وهو يستمع الى الباشا الوزير الذي يسرد للشباب المجتمع في قصره ادق اسرار الصراع بين الملك الشاب (الوطني) , ورئيس وزرائه العميل.. حتى كان ذات يوم, جاء فيه الباشا الوزير بسر جديد.. خلاصته ان رئيس الوزراء, بناء على اوامر سادته الانجليز, قطع العلاقات مع حكومة فرنسا التي استسلمت للالمان, وطرد سفيرها طردا اثناء وجوده ضيفا لدى جلالة الملك المحبوب, رمز البلاد ورأسها في قصره بناحية (اكياد) . فهل هناك اهانة تفوق هذه الاهانة التي اذلت البلاد وشعبها؟ هل نسكت على خضوع رئيس الوزراء الى هذا الحد, وخنوعه الذي يضرب عرض الحائط بكل تقاليدنا النبيلة في كرم الضيافة, واحترام حرمة بيت الملك؟ المفروض ان يتحرك الشعب, ليعلن رفضه للاهانة.. وتأييده للملك ضد جبروت الاحتلال, وخيانة عملائه.. وكانت الارضية ممهدة لكي يتحرك الشعب.. فاللجان بالكليات والمدارس قادرة على تحريك المظاهرة.. والظروف مناسبة جدا لكي تنضم الجماهير الى المتظاهرين الذين سيبدأون مسيرتهم من الجامعة حتى قصر عابدين.. وفي الطريق ينضم اليها تلاميذ المدارس الثانوية.. وفي تلك الاثناء.. كان الالمان قد تقدموا في زحفهم عبر الصحراء الغربية حتى وصلوا الى العلمين, على بعد 25 ميلا من الاسكندرية, تحت قيادة ثعلب الصحراء الشهير, روميل.. وكانت مشاعر المصريين مشحونة بمزيج من الغضب والشماتة في الانجليز.. وهكذا, ما ان جاء يوم 4 فبراير حتى كانت كل الترتيبات قد انضجت ثمرتها.. وتحركت المظاهرة بالفعل من الجامعة, لتستقطب في طريقها طلاب اكثر من عشرين مدرسة ثانوية وفنية.. وجذبت هتافاتها الحماسية جماهير المارة في الشوارع.. فاذا بالكل يردد (عاش الملك حبيب الشعب.. يسقط (....) عدو الشعب..) . ولايزال صديقنا كاف ميم يذكر كيف كان حماسه وهو يهتف بملء عقيرته: حذاء الملك فوق رأس تشرشل.. الى الامام ياروميل.. واكتظ ميدان عابدين والشوارع المؤدية اليه بأكثر من مليون متظاهر.. ولم يهدأ المتظاهرون الا بعد ان اعلن في الراديو ان الملك قد قبل استقالة الوزارة.. وانه بسبيل اجراء مشاورات مع قادة الاحزاب السياسية.. وفي نفس المساء, حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين, ولم تنصرف الا بعد ان اصدر الملك مرسوما بتكليف زعيم الاغلبية الوفدية بان يشكل الوزارة.. الى هنا, والقصة عادية. او على الاقل معروفة تاريخيا.. ولكن الجديد فيها, هو ما انكشف بعد ذلك بنحو 35 عاما, حينما كنت اقوم بترجمة وثائق وزارة الخارجية البريطانية عن فترة الحرب العالمية الثانية, فاذا بي اجد مراسلات السفارة البريطانية بالقاهرة لوزارة الخارجية بلندن تشير الى اسم ذلك الباشا الخطير الذي كان وراء المظاهرات الصاخبة يوم 4 فبراير بقولها (رجلنا في مجلس الوزراء) !! وكانت بالطبع صدمة هائلة لصديقنا كاف ميم عندما اكتشف انه وهو يصرخ بكل حماس هاتفا الى الامام ياروميل.. وهو ينتشي طربا كأنما يرى بالفعل حذاء الملك فوق رأس تشرشل.. انما كان في الواقع مخلب قط.. او قطعة شطرنج يحركها (رجلهم في مجلس الوزراء) .. طبعا لصالح سادته الذين يعمل في خدمتهم.. اما لماذا عملت السفارة البريطانية على تدبير تلك المظاهرات, وكلفت (رجلهم) بالمهمة.. فالسبب الان اصبح معروفا, فقد كان السفير مؤمنا بضرورة اسناد الحكم الى حزب الاغلبية حتى يساعد على استقرار الاوضاع في اللحظات الحرجة التي كانت تمر بها بريطانيا في ذلك الحين, ولكن اولي الامر في لندن كانوا معارضين في ذلك, حتى لا يغضبوا الملك من ناحية, ولانهم غير مطمئنين الى زعيم حزب الاغلبية المعروف بتطرفه الوطني.. ولقد اعطت مظاهرات 4 فبراير للسفير الحجة المطلوبة لتأكيد وجهة نظره فاستجابت له وزارة الخارجية ووافقته على ارغام الملك على تغيير الوزارة بالشكل الذي يريده.