مع الانفجار المعرفي والمعلوماتي الذي ما زال يشهده عالمنا على امتداد النصف الاخير من هذا القرن اختلط الحابل بالنابل في دنيا الفكر والأدب والكتابة والابداع, ازداد الانتاج الادبي ــ الاعلامي ــ الفكري زيادة رهيبة لدرجة لم تعد معها الحركة النقدية قادرة على متابعة ذلك الانتاج . وكم من مبدع موهوب لم يلق انتاجه اهتماماً لانه جاء وسط دوامات من الانتاج الغث والسمين لكن الحال وسط هذه الموجة المعرفية كما قد تسميها بات يصدق عليه التساؤل الشهير من يقرأ ومن يسمع؟ وعلى من تغني مزاميرك يا داوود؟ ومن عساه يسمع ترتيل المزامير وسط زعيق مكبرات الصوت ونعيق ابواق السيارات وهدير الماكينات وقصف الرعد المصطنع من آلات الايكو (الصدى) والمكساج التي باتت تزيف حناجر الاخوة المطربين. هكذا غاب ما نسميه الضمير النقدي في المجتمع.. تلك الحساسية الجمعية, المرهفة اليقظة والبالغة الذكاء كان الناس في العشرينات مثلا يخاطبون جريدة الاهرام في القاهرة عندما تبشر قراءها بانها تنشر على صدر صفحتها الاولى احدث قصائد الشاعر الكبير احمد شوقي.وقبل ذلك العهد يحدثنا الاديب الفنان يحيى حقي انه كان يعود الى بيته القديم في شارع السيوفية القريب من قلعة صلاح الدين في القاهرة القديمة وفي جعبته القصيدة الشوقية الجديدة حيث تتحلق اسرته من حوله وفي المقدمة والدته شخصياً فيقرأ عليهم ابيات القصيدة, ولا يكاد يمضي يوم او اثنان حتى تكون قصيدة شوقي قد اودعت في الحفظ والصون في فؤاد كل افراد الاسرة يحفظونها عن ظهر قلب ويتغنون بايقاعاتها في كل وقت وأوان. كذلك كانت اغنية عبدالوهاب الجديدة موضع احاديث في الدور وفي القصور ثم في المقاهي وربما الاكواخ على امتداد الوطن العربي. قد تختلف الاذواق حسب اختلاف المشارب وتباين الاعمار في تذوق جديد عبدالوهاب.. لكن لا يختلف احد في مدى الاهتمام الجمعي ــ والنقدي الواعي الذي كانت تقابل به اعمال الموسيقار الكبير .. وخذ عندك اكثر من مثال: ها هو الزعيم الوطني مصطفى النحاس باشا يسمع لأول مرة في فاتح الاربعينات اغنية الجندول التي انشدها عبدالوهاب من شعر علي محمود طه احد الاعمدة الشعرية الباسقة من مدرسة ابولو الرومانسية.. ولم يشفع للجندول عند النحاس باشا, لا الموسيقى الجديدة تماما على الاذن العربية ولا الشعر البديع عند المطلع: اين من عيني هاتيك المجالي يا عروس البحر, يا حلم الخيالي؟ كان عبدالوهاب يغني لجيل الحرب العالمية الثانية, جيل الاربعينات المتوثب حينذاك, وكان زعيم الامة رئيس الوفد قد نيف على الستين من العمر.. ولذلك بادر النحاس باشا بطريقته العفوية ملوحاً بعصاه التقليدية وكان قد التقى عبدالوهاب صدفة في بهو فندق سيسيل الشهير في رمل الاسكندرية وصاح النحاس: ــ ايه طقطوقة الجندول دي ياسي محمد؟ اغنية بايخة شوف لك حاجة غيرها. ولان عبدالوهاب كان كائناً مرهف الذكاء, وكان قد تعود على بدوات النحاس باشا بكل عفويته وطيبة قلبه, فقد آثر ان يحكي المشكلة الى صديقه الاثير مكرم عبيد باشا, وكان محامياً بارعاً, وسياسياً مخضرما, وكان كذلك ذواقه له باع طويل في مضمار الفن.. بل يقال انه كان يتمتع بصوت رخيم وجميل يدندن به فيشجي الاسماع وكان على مكرم عبيد ان يقنع صديقه النحاس باشا بأن (سي محمد عبدالوهاب) قد ابدع تحفة رائعة في مضمار تجديد الموسيقى والغناء المعاصر. هذا الاهتمام هو الذي تولدت عنه, كما المحنا تلك الحاسة النقدية المجتمعية في وطن العرب, وكان بمثابة الفرازة التي تتولى من خلال الضمير القوي المشترك فحص وتمييز وتمحيص كل المستجدات في دنيا الابداع.. سواء كانت تلك المستجدات اعمالا فنية او كانت شخصيات من لحم ودم تريد ان تلعب دورا وان يكون لها مكان ومن ثمة مكانة على مسرح الابداع في دنيا العرب. لكن هذا ــ أعزك الله ــ هو الجانب الايجابي من الاهتمام النقدي العام, اما الجانب السلبي فهو فقدان شهية المجتمع, ووصوله الى درجة تشبه عدم الاكتراث بما يقوله الشاعر او يكتبه الاديب او ينشده المطرب او تنقشه ريشة الرسام. هنالك تسود نظرية (دع الملك للمالك واترك الخلق للخالق) .. وليس في النظرية ورع ولا حتى بضع من تقوى.. انها نظرية السوق, تضرب تقلب كما يقولون.. كل من لديه صحة وعضلات يستطيع ان يرقع اغنية امام ميكرفون جهير وان يحشوا بغير حياء شريطا يكدس فيه من السوقية ما شاء له الله من كلمات. ثم يطلق هذا كله او يشهره كمدفع رمضان في وجوهنا او يصوبه الى آذاننا بغير رحمة ولا ضمير.. وكل من توفر له ممول معجب بالسحر الاخاذ. يستطيع تعبئة اي شريط بأي كلام فاذا به يذاع وينتشر رغم أنوفنا في الساحات والاسواق, وقنوات تلفزيونات العرب, باسم الله ما شاء الله وإذاعاتهم المسموعة على قفا من يشيل والالبومات على ودنه دون شفقة او رحمة, وقد نتحذلق يوما ونطالب بأن توصد الاوبرا ابوابها ومسارحها في وجه هؤلاء المدعين ولكن لا شيء يهم. فأمامهم الغناء الهجين في سيارات التاكسي وعربات السرفيس واعراس الطبقة الجديدة التي يحضرها الناس يأكلون ولا يشربون ولا يسمع بعضهم بعضا من قريب أو بعيد. واذا كان مجتمع السوق يعيش تحت الشعار العتيد: (دعه يعمل, دعه يمر) فإن السوق وفكر السوق يترجما الشعار الى: دعه يغني ما يشاء ودعه يكتب اي كلام ما دام هناك من يدفع ومن يستهلك بغير نقد او تقويم او توجيه. ثم دعه يمر. بمعنى ان يكتب كلاما فارغا ولا بأس وقد يسرق المعاني وينتحل الأفكار ويستحل كتابات وجهود الآخرين.. ولا جناح عليه ولا تثريب. وانك ترقب هذا كله وقد تغشى الاسى كل جوانحك.. اذ تدرك ولا شك كيف اننا كعرب نصدر عن ثقافة مجتمعية كانت في غاية الوعي والذوق والتدقيق مع ابداعات الشعراء خاصة, وكان شعارها اضبط ها هنا سرقة شعرية او قف عندك فأنت انتحلت قول شاعر سبق واستحللت لنفسك فضلا ليس من حقك.. ولا تتصور ان هذا التدقيق المجتمعي تجلى فقط في عصور المد الحضري العربي ــ الاسلامي, بل انك تجده عند الجاهليين انفسهم حيث يقول طرفه بن العبد مثلا على سبيل ابراء الذمة: ولا أغير على الاشعار اسرقها عنها غنيت وشر الناس من سرقا ومن بعده قال حسان بن ثابت شاعر صدر الاسلام: لا أسرق الشعراء ما نطقوا بل لا يوافق شعرهم شعري بل ان المجتمع العربي الذواقة في العصر العباسي لم يعف شعراء كبارا من التدقيق في شعرهم ومن ترصد اخطاءهم وخاصة في مضمار الانتحال.. شاعر فحل مجيد مثل البحتري اتهموه بسرقة اشعار ومعاني زميله ابي تمام (واسمه حبيب بن اوس) وفي هذا يقول ابن الحاجب: والفتى البحتري سارق ماقال ابن اوس في المدح والتشبيب كل بيت له يجود معناه فمعناه لابن اوس حبيب ثم ها هو ابن الرومي بلسانه اللاذع لا يرحم البحتري بل يترصد سقطاته ويتهمه بالسرقة الشعرية حيث يقول ابن الرومي في بائية جميلة منتقدا البحتري: حتى يغير على الموتى فيسلبهم حر الكلام بجيش غير ذي لجب ما ان تزال تراه لابسا حللا اسلاب قوم مضوا في سالف الحقب