يرى الشاعر العماني سيف الرحبي انه في الزمن العربي الذي نعيش, والذي بلغ اقصى فظاظة ممكنة في سلخ حياة الكائن, قادت الحروب والهجرات ومظاهر التخلف الاخرى - في غياب اي مشروع حضاري حقيقي - قادت هذه المرحلة في تجليها الشعري والتعبيري, الى صحراء انعدم فيها بريق السراب ورحلت الاوهام السعيدة الى غير رجعة . وسيف الرحبي هو احد الشعراء القلائل الذين تتشكل قصائدهم بعنصر التجربة الحياتية دون السقوط في مجانية التعبير, وبعد ثمانية دواوين وكتاب نقدي (ذاكرة الشتات) ورئاسته لتحرير مجلة (نزوى) الثقافية التقيناه في القاهرة وكان معه هذا الحوار: - باعتبارك واحدا من ابرز شعراء قصيدة النثر, هل تعتبر قصيدة النثر نموذجا شعريا يعبر عن ثراء الابداع الشعري كما يعبر عن راهن التاريخ العربي بما فيه من جدليات واضطرابات؟ - أعتقد ان السجال الثقافي العربي وفي جانبه الشعري خاصة يدخل احيانا مدارات مجانية وعقيمة , منها هذا الجدل الذي يتردد على ألسنة الكثير من النقاد والمهتمين بالشعر, حول مشروعية هذا الشكل التعبيري او ذاك, ومن هذا المنطلق ندخل دائما في حلقات مفرغة للنقاش والسجال تاركين القضايا الحيوية في الثقافة والشعر. وباعتقادي ان قصيدة النثر, اذا اقصينا منها الجوانب المجانية والزائفة - التي توجد اي شكل تعبيري وشعري - فهي لاشك رافد ثري وقوي من روافد الشعر العربي في مستوياته وتعددياته, وقد استطاعت في جوانب كثيرة منها ان تخرج هذا الشعر من النمطية والتكرار, وارى ان هذه المسألة بحاجة الى اضاءات نقدية اكثر عمقا من الجدل العقيم السائد حاليا. غزو الذات - كيف ترى اللحظة الشعرية: مقوماتها ومنطلقاتها؟ - لكل طريقته في التقاط وتخييل اللحظة الشعرية واستقبالاته الحسية والشعورية المختلفة. هناك من يركن الى رؤى ومعارف مسبقة تنشط فيها الذاكرة والوعي على حساب التلقائية والطبع والغريزة, لحظة ميلاد القصيدة وتفجراتها الاولى, وهو امر له مخاطره, ومن جهة مقابلة او متداخلة , نجد ان الذاكرة والمخلية في اطار تلقائية الكتابة لاتبدآن من فراغ مطلق, اذ انهما لاشعوريا معبآن باشياء قبلية, مهما كان النزوع نحو التلقائية واستواء ذلك في نص, يبقى زمن الكتابة مشدودا الى ذاكرة, لكنها ليست ذاكرة جاهزة, انها قادمة من انقاض وسديم, كل مافي الامر, محاولة لتخفيف ماتفرضه في احيان كثيرة من عبء ومنجز, باتجاه افق ارحب واكثر حسية, ومحاولة اقصاء الرقابة الذهنية لصالح نص اقرب الى نفس ايقاع المعيش ومناطقه وهوامشه المهملة التي تترفع عنها البلاغات التقليدية, بمعنى آخر غزو الذات والعالم ومحاولة قهرهما بسلاح الخيال والاحساس, اكثر مما هو بسلاح الثقافة والمعرفة. ومن الطبيعي , كما اعتقد, تبقى هناك كتابة ثانية يأخذ فيها الوعي نحوا من الرقابة والتشذيب وهذا مالابد منه الا بتبني كتابة اوتوماتيكية مضى عهدها وبقي بريق مغامراتها الذي لايمحى. ان الذات الشاعرة بما تحسه وتلتقطه وتختزنه , يتم بداهة تحويله الى شكل شعري. هناك مشاهد محفزة على القول الشعري والابداعي عامة, ورؤى وانبثاقات حياتية وذكريات ووجوه وغياب, تلعب المخيلة دورا حاسما في اقتلاعها من كينونتها الاولى الى مصير آخر ومخلوقات اخرى تكتسي ملامح مختلفة, بفعل المخيلة وسطوتها الباذخة. أفق مشترك - بنظرة على نتاجك الشعري عبر ثمانية دواوين صدرت خلال خمسة عشر عاما, كيف يمكن تصنيفها بحيث نتعرف على المناطق الزمنية لتطور عملية الابداع الشعري لديك؟ - لا استطيع الجزم بتصنيف او تقييم لهذه النتاجات, فتلك المسألة اتركها للآخرين , لكنني بصورة عامة استطيع القول ان هذه التجارب الشعرية تشكل نسيجا واحدا يتوسل مناطق شعرية وحياتية مختلفة, فاذا كان هناك من وحدة مشتركة بين تجاربها واجزائها فلاشك ان هناك اختلافا بينا في بعض نواحي الاسلوب والتأثيرات والبيئات والرؤى. ويمكن القول ان الديوانين الأولين (نورسة الجنون والجبل الاخضر) يمثلان البداية الباحثة والمتلمسة في افق الشعر, مثلما يمكن القول ان الديوان الثالث (اجراس القطيعة) هو محطة بحث عنفية حادة. ويمكن تبين الافق المشترك اكثر في الدواوين اللاحقة, كما ان هناك بالطبع لكل تجربة مكانية وزمانية عناصرها وحياتها والتماساتها المختلفة الى حد ما. وتعتبر الدواوين الاخيرة حتى ديوان (جبال) استمرارية للمحطات السابقة لكن بافق شعري اكثر وضوحا والتقاطا ودخولا في تفاصيل المعيش, اي ان نبرة التجريد العتيقة قد خفت حدتها هنا لصالح الحسي واليومي اللذين لابد يندرجان في أفق شعري حقيقي. اقول هذا محترسا من الوقع فيما يشبه المذكرات التي يكون الخيال الشعري فيها ضعيفا وغير خلاق, تلك التي يقع فيها البعض باسم الشعر اليومي والتفاصيلي. قصيدة العودة - في اشعارك عامة هناك احساس سائد بالغياب, لماذا؟ - ان الشعر والادب اصبحا ملاذا للذات من فنائها السريع او تماهيها مع القطيع, وصار الغياب القسري او في شكله الاختياري المرير, هو المحرك الاساسي للمخيلة الشعرية والكتابية: غياب الوطن, غياب العائلة, غياب الاصدقاء, غياب الحب, غياب الطفولة, غياب (الغياب) وانخلاع الوجوه والأماكن وقذفها في عتمات المجهول والبعيد, والغياب بنية دالة في كل نصوصي ومحور اساسي في حياتي, وهناك ثمة رغبة في العودة تبدو كعنصر مذاب داخل نسيج قصائدي ولكنها ليست العودة الى مكان او زمان او وطن او امرأة او أية مفردة حسية اعرفها, وانما هي العودة الى الغائب المستمر الذي لاسقف له ولاقرار, وربما هي العودة الى الارض, ذلك الرحم الاول والملاذ الاخير بعد حياة اصبحت العزلة تاجها الاوحد. مرحلة الشظايا - كيف ترى المرحلة العربية الراهنة والرؤى الابداعية المصاحبة للمنجز الشعري الحالي؟ - الشاعر والمثقف العربي في حالتنا هو جزء من الصيرورة التاريخية للمجتمع ولسياق التطورات والازمات, وهو ليس جزءا فقط بقدر ماهو مستشرف للرؤى المستقبلية, اي انه ينبغي ان يكون دوره دورا طليعيا في هذا السياق, فالمرحلة العربية الراهنة بما فيها من حياة وفكر وفن هي بلا شك حياة مأزومة الى حد كبير, وهذه الازمة تشهد تجلياتها في مختلف الاصعدة والمسارات فقد وصلت الحياة العربية الى مرحلة قصوى من التفتت والتشظي والانحطاط. وفي هذا السياق بقي الشاعر والكاتب - المثقف العربي - خارج الفعل التاريخي الحقيقي الذي ينبغي ان يلعبه في هذا المسار او هذا الوضع بفعل التهميش والتدمير المستمر, والاقصاء الدائم من قبل المؤسسة العربية السائدة, فلم يلعب هذا المثقف دوره الطبيعي في سياق تاريخه ومجتمعه كما هو مطلوب منه. ومن هذا المنطلق, نشهد ذلك التشظي الكبير في الشعرية العربية الراهنة وذلك البحث الدائم عن رؤى واساليب تستطيع ان تحتضن هذا الخراب المهيمن. حوار - عصمت الهلالي