أحاول في كل مرة وانا اشاهد فيلما امريكيا عن شخصية ما ان اجيب عن سؤال واحد يلح بعد نسيج المتعة والاثارة والاعجاب بتكنيك القصة وتتابعها واحكامها بدقة متناهية.. ماذا يحاول ان يقول هذا الفيلم ؟ وفي كل مرة لا اجد الا اجابة واحدة تسقط هكذا دون مقدمات.. انها الاسطورة التي يريد ان يخلقها الامريكيون ويحاولون اقناعنا بها وينجحون كثيرا لانهم يملكون ادوات الايصال المبهرة. واليوم يقدم الامريكيون مجددا فيلما عن اغتيال الرئيس الامريكي الاسبق جون كيندي بعد ان شاهد الملايين قبله ومنذ سنوات مضت فيلما عنه ايضا وهو (جي. اف.كي) والذي اثار يومها ضجة كبرى لكنه لم يحظ بالتقدير الذي كان ينتظره. وفي كل مرة يحاول الامريكيون ان يصدقوا شيئا يجهلونه لأن التأويلات كثيرة والشائعات اكثر والروايات الاكثر مبيعا مازالت تتواصل بفضل ما تنسجه هوليوود التي مثل لها اغتيال كيندي مادة خصبة للعرض والاثارة ستظل تتواصل مادام الناس يقدمون حزنهم وشعورهم المأساوي ويرفعونه الى مستوى الاسطورة, ففي الاساطير يظل البطل قائماً على قدميه حتى في اشد الازمات والحالات الخانقة, فالملك مثلا لا يموت كبقية الناس العاديين في فراشه لأنه فوق هؤلاء جميعا, اذ لابد ان يموت على ايدي قوى خارقة نتيجة للدسائس. وفي القرن العشرين الذي سيلفظ أنفاسه عاجلاً شهد الامريكيون حادثين اسطوريين مازال الكثيرون منهم لا يصدق حدوثهما وهما اغتيال جون كيندي وموت الفيس بريسلي ملك الروك الامريكي. ويبدو ان الناس رغم ما تقدمه وسائل الاعلام من مجال مفتوح لا يريدون ان يموت الملك او يصدقون بحدوثه او انهم لم يفهموا لماذا مات بطلهم المحبوب وملهمهم هكذا بهذه الصورة المحزنة.. وفي كلتا الحالتين يخلق الاعلام الاسطورة, فكيندي كان اول رئيس تلفزيوني للولايات المتحدة كما يقول الامريكيون انفسهم حيث نقل هذا الجهاز السحري الذي لا يعرف الاستئذان ابداً نقل جون كيندي وزوجته جاكي الى منازلهم وحولهما الى نجمين ودميتين يصبحان على وجهيهما الشابين ويمسيان. ورغم ذلك فالاساطير والخرافات هي للعظماء دون البسطاء من الناس, فالرئيس الامريكي جيمس ابراهام جارفيلد مثلا الذي يبدو ان الامريكيين انفسهم لا يذكرون اسمه, كان في العام 1881 في واشنطن العاصمة يسير على رصيف أحد المخازن في انتظار القطار الذي سيقله لحضور احتفال في كلية وليامز وفجأة دوى الرصاص .. طلقتان والرئيس الامريكي العشرون يعاني سكرات الموت. لقد كان جيمس جارفيلد احد الوجوه التي سكنت البيت الابيض على امتداد القرن الماضي ولم يفكر احد بصنع فيلم سينمائي عنه, لماذا؟ ببساطة لانه لم يكن مثل كيندي يلف الغموض حكاية قاتله, وليس في حكايته ما يستحق اطلاق العنان للخيال حوله, فقاتله جاء.. بعربة تجرها الخيول ويدعى تشارك جولز, دفع مبلغا اضافيا ثمنا لمسدسه البولدوج البريطاني الصنع لأن قبضته مصنوعة من العاج بدلا من الخشب فهو كان يؤمن ان المسدس الذي يجب ان يعرض في المتحف كتذكار لابد وان يكون جميلا وغاليا ايضا!. عموما تتداخل الكثير من التفاصيل لتخلق من حدث ما اسطورة تتشابك فيها المغامرة والاقاويل والشائعات والاكاذيب والاثارة خاصة اذا كانت الشخصية التي تنسج حولها تلك الهالة شخصية محبوبة ومثيرة للجدل احيانا أو غالبا, وهذا ما حدث لحادثة ديانا التي لقيت نحبها في باريس العام الماضي والذي اصر الكثيرون خلاله انها تعرضت لمؤامرة بل وكتبوا سيناريو تلك المؤامرة على شبكات الانترنت. وقد دارت فكرة المؤامرة ايضا بالنسبة لحادثة اغتيال كيندي حيث كتب المعلق راسل بيكر ان فكرة القتل بمؤامرة تبدو مقبولة اكثر لان مفهوم المؤامرة يفترض وجود كون متوازن ومنتظم وتأتي المؤامرة لتدمره. ويبدو ان الاساطير القديمة مليئة بالابطال الذين سقطوا صرعى في معارك هائلة على ايدي اشرار اسطوريين, ويبدو اكثر ان الامريكيين اصحاب الاعلام المفتوح والتقارب الحميم الذي خلقته تقنية الاتصالات ارادوا شكلا اخر للاسطورة فأوجدوها عن طريق هوليوود واخضعوها لاهواء السوق واصبح مفهوم قتل الرئيس هوليوودياً يدر الملايين مثله مثل القادمين من الفضاء, واصبحت الاسطورة تصنع في هوليوود بمقاييس ونكهة ودمغة امريكية... أليس كذلك؟