بعد الدراسة النظرية وفي بداية الحياة العملية يحتاج الموظف الجديد إلى التدريب العملي ليتمكن من فهم طبيعة العمل, ولكن من يدرب هذا الموظف؟ الواقع ان الميدان هو المدرب الأول . أتذكر أول نصيحة وجهها لنا الأستاذ رئيس التحرير, قال: همي من قبل وحاليا وما دمت في هذا الميدان هو أن أعمل الدرس النصيحة الذي وجهه لنا هو ان الميدان أفضل مدرب يمكن أن تستفيد وتتعلم منه, كلما تمرستم فيه أكثر كلما تشربتم وعشقتم المهنة أكثر. كان محقا ولم نكن ندرك هذا في وقته, فقبل تسع سنوات كان جيل الأساتذة من كبار الصحفيين من لبنان ومصر تحديدا قد رحل عن صحافة الامارات بعد سنوات من العطاء, بقي الزملاء الجدد الذين جاؤوا من مختلف المدارس الصحفية ومن مختلف البلدان العربية, وهم من جيل الشباب أو من تعلم في صحافة الامارات, وهؤلاء جميعا لا يملكون التجربة والالمام التام بحرفية الصنعة لهذا لا يصلح الاعتماد عليهم في التدريب. بقي الميدان وأهميته تكمن في انه يلزمك أن تصنع خبرا كل يوم, فالجريدة تطلب منك ذلك وفي كل الأوقات, وان تجرب فنون الصحافة المختلفة من حوار وتحقيق وتحليل ومقالة, كان المطلوب من قلمك أن يتعود الصناعة اليومية, على غزارة الإنتاج في بعض الأيام والمواسم, وعلى النوعية والتميز في الأيام العادية. تتعلم من الميدان الصحافة, وتتعلم منه أيضا دروسا في مختلف شؤون الحياة, فالتغطية الميدانية لمؤسسة ما تجعلك تعيش النظام والفوضى اللذين تسير فيهما هذه المؤسسة, تتعرف على أدق التفاصيل على حالة الجمهور صاحب المصلحة, وكذلك شكوى العاملين من كبيرهم إلى الموظف الصغير, وعلى أحلامهم الشخصية, كلما استطعت الوصول إليهم والاقتراب منهم أكثر زاد نجاحك وتواصلك معهم في كل الأوقات, ومطلوب في أحيان كثيرة أن تواسي بعضهم, وان ترفع معنوياته إذا تذمر من العمل أو شعوره بالظلم الوظيفي أو من مصاعب الحياة الشخصية وأن تقدم له النصيحة. تتعلم أيضا كيف تتعامل مع مزاج المسؤول إذا كان من النوع المتقلب, وأهمية الحذر في بعض الحالات من نشر الخبر الذي تسعى وتجتهد في الوصول إليه, فالشخص الذي قدمه لك في الدس قد يخفي مطامح وأهدافا يحققها له النشر, ألا تشغلك فرحة الفوز (بخبطة) صحفية من التفكير فيما وراء الهدف من النشر. أن تتعرف كذلك متى تكتب خبر موسم النخيل أو تركز في متابعة أمراض الثروة الحيوانية, ونشر أخبار حالة البحر أو حالات ارتفاع أسعار المواد الغذائية. يفرض عليك الميدان أن تتابع قضايا السياسة والاقتصاد والجغرافيا والثقافة والتاريخ وفن المحاورة وشؤون المجتمع وبعضا من علوم الطب والزراعة والهندسة والطيران والكمبيوتر والرياضة والفن, فاذا لم تكتب في هذه المجالات جميعها, فقد يسألك احد مصادرك الاخبارية عن موضوع ما, ولابد ان تعرف الاجابة لأنك تعمل في جريدة تحمل صفحاتها مختلف الاخبار والعلوم. الميدان يجعلك تشعر بنبض المجتمع, هموم الناس وتطلعاتهم, حالة الشارع وكيف تسير الحياة اليومية. تتعلم اكثر من الاحتكاك, من المنافسة ومحاولة التميز, من ساحات الاحداث الساخنة, وكلما كبرت مساحة الميدان الذي تجري فيه, واختلفت المصادر والوجوه التي تقابلها, وكلما ركضت أكثر في هذا الميدان, شعرت انك اكثر خبرة واكثر عشقا لمهنة المتاعب. اليوم اشعر ان اجمل ايام الصحافة تلك التي عشتها في مواقع الاحداث, واشعر حاليا بقيمة الثروة التي احملها والتي ليست سوى بقايا صور لا تزال تسكن ذاكرتي من مواقع كانت في ظروف غير عادية, من بغداد, من الكويت, من الصومال. كانت لي فرصة وحظوة عند الاستاذ رئيس التحرير في ان يرسلني الى اكبر عدد من المواقع الساخنة وفي أول بادرة تسمح بذلك, فذهبت مع الزميل علي شهدور والزميل الكويتي زهير العباد في أول بعثة صحفية من البيان بعد تحرير الكويت مباشرة, وكانت تجربة صحفية ونفسية قاسية لكنها مهمة. وقبل الكويت ذهبت الى بغداد وحيدا بعد توقف حربها الطويلة مع ايران, وذهبت الى الصومال وهي ساخنة تتفجر بالقتل والجوع والصراعات القبلية, وكانت أهم تجربة استفدت منها. وفي تلك الايام كنت افضل واتمنى الذهاب في الرحلات والبرامج الترفيهية, وكانت الدعوات السياحية التي توجه للجريدة وقتها كثيرة, لكن رئيس التحرير كان له رأي آخر. واذكر انه في توقيت مهمة الصومال, جاءت دعوة أخرى لحضور مهرجان كان السينمائي, فاختار رئيس التحرير زميلا سودانيا لهذه الرحلة. فعلقت امام رئيس قسم المحليات الذي انتمي له انذاك, بأن رئيس التحرير اختلطت عليه اوراق المهمتين, كان ينبغي ان يرسل السوداني الى الصومال وان اذهب الى كان, فوعد بأن يعوضني عن هذه الرحلة الشاقة في اول دعوة سفر تصل الى الجريدة, وقد فعل, ولكن الى اين؟ كانت إلى القاهرة, وفي عز موسم التفجيرات والارهاب! رحلات سياحية ومهمات صحفية عديدة شاركت فيها بعد ذلك, لكنني أشعر ان أهم تجربة تعلمتها هي تجربة الميدان, وان نصيحة رئيس التحرير هي أغلى نصيحة لمن يريد ان يتعلم الصحافة, وايضا ان يحصل على دروس غنية في مختلف شؤون الحياة.