المليونيرة الامريكية سالي ويتكنز تحمل هموما كبيرة يختصرها السؤال التالي: ماذا سنطعم الناس.. في الفضاء؟ وهموم المليونيرة تنبع من الحاجة الى الاجابة على السؤال بسرعة لان استثماراتها في محاولة الاجابة زادت عن ثلاثة ملايين دولار حتى الان , ولان هناك منافسين لها ابرزهم علماء الاغذية في جامعة كورنيل, وقد حققوا تقدماً كبيراً في هذا المجال. ثم هناك جماعة (البيرغر) وقد بدأوا يتنافسون على استئجار العلماء والمختبرات في سباق محموم لاكتشاف افضل وجبة سريعة يمكن تقديمها لاهل الفضاء. المليونيرة سالي حجزت مكاناً لها في اول رحلة تجارية الى القمر يفترض ان تتم في العام 2000, كما انها تعاقدت مع الشركة الناقلة اياها على تجربة انواع الوجبات التي سوف تقدمها, عندما تقوم الشركة ببناء محطات وارصفة في الفضاء لاستقبال الزبائن (وعددهم في ربع القرن المقبل, سوف يزيد عن عشرة ملايين مسافر) وتضيف سالي: ان زائر الفضاء سوف يستهلك على الاقل 15 وجبة طعام, ومن يستطيع ان يقدم له وجبة شهية سوف يكون ملياردير القرن المقبل) . المليونيرة سالي, للعلم فقط, هي مليونيرة عصامية, بدأت بصنع المعجنات على نطاق العائلة وتوزيعها على مستوى الحي..و باتت اليوم تملك سلسلة من المطاعم الفاخرة تتوزع بين لوس انجلوس على الساحل الغربي ونيويورك على الساحل الشرقي. وهي بالطبع تبدو, بالمقاييس السائدة (اقرب الى الجنون) , ولكن كما يقول كتاب صدر مؤخراً في نيويورك, ويحمل عنوان (جارك المليونير) فإن المليونير العصامي. كان يبدو غالبا, في نظر من حوله اقرب الى الجنون, بينما يبدو المليونير (الوريث) اقرب الى العقل والحكمة, وفي هذا مغالطة واضحة, اذ ان المليونير العصامي يستثمر في المستقبل, بينما المليونير الوريث يستثمر في الماضي. وطالما ان الحديث عن المليونيرية (سيرة وانفتحت) ــ كما تقول الجدات ــ نتابع مع هذا الكتاب الذي يكاد يدفع القارىء الى الشعور بالبؤس لانه لم يصبح مليونيراً بعد.. مع ان الوصفة جاهزة (!) واصحاب الملايين, كما يقول الكتاب, نوعان: الاول صنع ثروته بنفسه, والثاني ورثها عن ابيه وجده. ويعقد مقارنة بين النوعين فيكشف ان المليونيرات العصاميين الذين صنعوا ثرواتهم بانفسهم يملكون ما يساوي اربعة اضعاف ما يملكه المليونيرية الوارثون, ويقول الكتاب: ان البحث الميداني للمقارنة بين النوعين يكشف عن حقائق مذهلة, ويعطي نموذجين او حالتين ميدانيتين لهذا الاختلاف, وهما كالتالي: ميلر, يعمل في تجارة المنازل المتنقلة, عمره خمسون عاما, لقد حقق في العام الماضي دخلا مفترضا يصل الى حوالي 90 الفا و200 دولار, ومن المفترض ان ثروته لا تزيد عن 451 الف دولار, ومع ذلك فان ميلر يملك ثروة صافية تصل الى مليون و100 الف دولار, لانه مليونير عصامي, يصنع ثروته بنفسه. نقيضه هو جيمس فورد, عمره 51 عاما, وهو يعمل في مهنة المحاماة, لم يتجاوز دخله العام الماضي مبلغ 92 الفا و330 دولارا, اي لا يزيد عن ميلر الاّ بمبلغ زهيد, ومع ذلك فان ثروته الفعلية لا تزيد عن 226 الف دولار, واذا لاحظنا ان فورد قد امضى سبع سنوات يدرس في الجامعة, فلابد ان نتساءل كيف ان ثروته يمكن ان تقل عن ثروة تاجر منازل, وهما يكادان يتساويان في الدخل؟ من اجل معرفة الجواب, يقترح الكتاب, ان نطرح السؤالين التاليين: كم تحتاج من النقود لتحافظ على مستوى حياة محام مع عائلته, ينتمي الى الطبقة المتوسطة العليا؟ كم من النقود تحتاج لتحافظ على مستوى حياة بائع منازل متنقلة؟ اما الاجابة فهي ان المحامي فورد هو وريث اسرة من المليونيرية, ولابد ان يصرف من دخله ما يجعله يحافظ على تراث الاسرة من السيارة الفاخرة الى البدلة الانيقة, الى النادي الخاص, وصولا الى اواني الشاي من ماركة (تيفاني) , اما بائع المنازل المتنقلة فانه من اسرة متوسطة لا تهتم بهذه المظاهر, وبالتالي فان مدخراتها تنمو بعيدا عن لعنة الاستهلاك والمظاهر الموروثة. ان المليونير الوريث لابد أن يدفع ثمن الماضي والتراث, اما العصامي فإنه يكسب المستقبل مجاناً. وبالطبع, فان هذا الوضع سوف يتغير, اذ انه بعد جيل او جيلين فان اولاد واحفاد بائع المنازل المتنقلة لابد ان يتحولوا الى ورثة... وان يدفعوا ما لم يدفعه الجد... واحيانا بمفعول رجعي. ويكشف الكتاب عن مفارقات تتعلق بالمرأة التي تريد ان تصبح مليونيرة, فيقول ان الطريق الى الثروة مفتوح امام الرجل على اتساعه, بينما هو (موارب) امام المرأة, ويطرح في هذا السياق احصائية تشير الى ان المهنة الواحدة لا تعطي دخلا متساويا بين الرجل والمرأة, فالدخل السنوي للطبيب يصل الى 132 الف دولار بينما لا يزيد دخل الطبيبة عن 68 الف دولار, والدخل السنوي للقاضي يصل الى 65 الف دولار بينما للقاضية لا يزيد عن 43 الفا, اما اذا كان الرجل مهندسا فهو يحصل على 51 الف دولار, بينما المرأة المهندسة تحصل على 36 الفا, وحتى في المهن التي تكون المرأة فيها اكثر كفاءة من نوع مدير تسويق ومبيعات, فان الرجل يحصل على 61 الف دولار سنويا بينما دخل المرأة لا يزيد عن 30 الفا. اذن, هل يستحيل على المرأة ان تكون مليونيرة؟ الكتاب يكشف هنا عن مفارقة طريفة, ويقول: على العكس, ان المرأة في الواقع تتحول الى مليونيرة بسرعة قياسية, اذ تشير الاحصاءات الى ان البنت اذا كانت ربة منزل فهي تستأثر بضعفي ما يستأثر به شقيقها من ثروة الاب او الام, فهي غالبا ما تدير اعمال الاب, وتساعد الام, ولانها لا تملك مصدر دخل, فان الاسرة تتولى تمويلها وتأمين حياتها ومستقبلها, وبالتالي يتحول فقرها الى مصدر ثروة, خاصة اذا لم تكن مضطرة ان تنفقها وتكتفي بما يصرفه الزوج عليها وعلى اولادها... وعودة الى السؤال: كيف تصبح مليونيرا؟ الجواب واضح: عليك ان تضع ميزانية وان تتقيّد بها. (ولكن اذا كان الواحد غنيا لماذا تريده ان يضع ميزانية, وان يتعب في تنفيذها؟) . السؤال يطرحه الكتاب على سيّدة مليونيرة, فتجيب: هل نظرت مرة الى هؤلاء الذين يمارسون رياضة الركض في الشوارع؟ انهم يتمتعون غالبا بأجسام رياضية تدفعك لان تسأل: لماذا يركضون؟ اقول لك: (ان اجسامهم رياضية لانهم يركضون) . ... الفقير بالطبع هو اكثر حاجة الى الركض وربما الى الطيران وهو لا يفعل وهذا هو الفرق بينه وبين... المليونير.