ان رحيل اي شخص عن هذه الدنيا حقيقية لاخلاص منها يعرفها كل واحد منا في ذلك فان غياب انسان عزيز يترك في النفس غصة, وفي القلب وجعاً . قبل سفري ببضعة ايام اتصلت بعبد الملك اسأله في احواله, قال انه يشعر بالتعب عندما يمشي قليلاً, وان هذه الحالة يملكه احد اقاربه, في محلة الاعظمية ببغداد, فهو (لا يملك لا مال ولا عقار) . وقف عبد الملك في اعلى السلم يحدق في وجهي, ثم تساءل متوجساً عمن يكون الزائر. ادهشني سلوكه, ضحكت وذكرت له اسمي, ثم دفعت الباب, وصعدت اليه. ادخلني الى البيت وهو يتمتم معتذراً ان عينيه تدمعان, لذلك فهو لا يستطيع ان يرى جيداً, وانه سأل عن دواء لهما فقيل له ان الدواء الذي يريده لا وجود له في الصيدليات. حين دخلت وجدت سرير نومه يتوسط الصالة . قال ان الصالة هي المكان الوحيد المبرد في كل ارجاء البيت. رأيت في احد الاركان جهاز تبريد صغير من ذلك النوع الذي عليك ان تملأه بالماء كل بضع ساعات, سألته عن صحته قال احسن, وان عينيه فقط تضايقانه. تحدثنا لبعض الوقت, ثم غادرته مطمئناً الى انني سأراه حين اعود من السفر, فنحن نفترض دائماً الا شيء يتغير اثناء غيابنا. والآن تأتيني بضع كلمات من صديق ينقل لي نبأ وفاته فيتحول عبد الملك نوري, في لحظة واحدة, من انسان حملته في ذاكرتي حياً الى محض ذكرى عزيزة. كان نوري هو الانموذج الذي كنا نحن الكتاب الشباب في اواخر الاربعينات والخمسينات ننظر اليه بانبهار. كانت اقاصيصه القصيرة (جيف معطرة, فطومة, الرجل الصغير, وغيرها) , التي اعتمد فيها ــ لاول مرة في العراق, وربما في العالم العربي ــ اسلوب تيار الوعي, نمطاً جديداً لم تعرفه القصة القصيرة من قبل. كانت القصة في العراق, قبل عبد الملك لا تلتزم بأية شروط فنية, تشبه المقالة, وتنتهي في العادة بحكمة او فضيحة. وقد اطلق نوري على هذا النوع من القصة اسم (المقاصة) اي خليط من المقالة والقصة, فأثار بهذه التسمية غضب كتاب القصة التقليديين. الا ان عبد الملك ما لبث ان توقف عن الكتابة, بعد انهيار حياته الزوجية, وانفصاله عن زوجته التي كان يحبها. ولم يتأثر نشاطه الادبي فحسب, بل حتى عمله الوظيفي, كان موظفاً مرموقاً في السلك الخارجي. ترك العمل, واعتزل الناس, ولم يتزوج من جديد ظل يعيش هو واخته, التي لم تتزوج هي الاخرى, مثل ناسكين في صومعة وراحت اخته ترعاه كما لو كان طفلها الوحيد, وكان هو يعتمد عليها في معظم شؤون حياته. وحين ارتحلت قبل عامين ظن اصدقاؤه انه لن يعيش بعدها. الا انه تجاوز هذه المحنة باللجوء الى الكتابة مجدداً محاولاً العودة الى عالم القصة بعد فراق طويل. واثبتت الكتابة انها علاج فذ لمغالبة الاحزان. وعندما ودعته قبل سفري كان جريان الدمع في عينيه قد عطله عن مواصلة الكتابة في قصة طويلة بدأها منذ زمن, ولا اظنه استطاع اكمالها قبل ان تدهمه المنية. انني افكر بالوقع المؤلم لنبأ رحيله على صديق عمره, الروائي فؤاد التكرلي, والناقد عناد التكرلي, وعلى الكثيرين من الذين يحترمونه, ويقدرون له عمله الذي ترك اثره الملحوظ بشكل او بآخر, في كتابات العديد من الاجيال من كتاب القصة القصيرة في العراق. ان ما يحز في النفس حقاً ان هذا الرجل الذي يظل ــ حياً كان ام ميتاً ــ من ابرز رموز الادب العراقي الحديث, عاش حياة فقيرة في سنواته الاخيرة, يجتر احزانه في صمت, ويحاول ان يتعايش مع واقع مر لا يرحم. فهل بوسعنا ان نقول ــ من اجل ان نعزي انفسنا ــ ان هذه النهاية, جاءت الآن لتمنحه الراحة, وتخلصه اخيراً من عذاب حياة عقيمة, شقية وبائسة؟