هل سيختفي الليل الجميل من حياتنا؟ وكيف تصبح الحياة بدون ليل نسكن إليه؟ السؤال يطرحه الخبر القادم من روسيا.. وروسيا ـ رغم كل شيء ـ ما زالت فيها أخبار غير أخبار البؤس الانساني والانهيار الاقتصادي واعتذار يلتسين للقياصرة, وما زال فيها علماء ربما لا يقبضون مرتباتهم منذ شهور, وربما يقبضونها فلا تكفي شيئا, ومع ذلك ما زال عندهم ما يقدمونه للعلم والتقدم . وصحيح ان الكثيرين منهم هاجروا هربا من البؤس والفوضى, ولكن غيرهم بقي يعمل ويبدع ويبتكر, ولاحظ هنا ــ أعانك الله وأعاننا ــ أن الألوف منهم قد ذهبوا الى اسرائيل, أما نصيبنا نحن فلم يكن من العلماء, بل كان من (العوالم) والراقصات والغانيات.. ولكل مجتهد نصيب! والذين بقوا من العلماء الروس في بلادهم يستعدون الآن لاطلاق قمر صناعي هائل, ليس لأغراض عسكرية لا سمح الله, ولا للتجسس, وإنما لكي يحيلوا الليل نهار, أما القمر الروسي الموعود وظيفته أن يعكس نور الشمس فيتحول إلى سطح يبعث ضوءا يقدرونه بعشرة أضعاف ما يبعثه القمر الطبيعي. ومع الاعلان عن القمر الروسي الجديد بدأت صيحات التحذير من علماء آخرين تنطلق, وخلاف العلماء رحمة على كل حال, وما يغيظنا فقط أننا بعيدون عن كل ذلك, وأننا نكتفي بدور المتفرج في معظم الأحوال, فإذا تجاوزنا هذا الدور تحولنا إلى مسخرة, ولعلك تذكر أننا حين انطلق أول قمر صناعي في الفضاء لم يشغلنا الانجاز العلمي, ولم يكن همنا الأساسي كيف نلاحق الثورة العلمية, بل كان السؤال الذي شغلنا هو: هل هذا حرام أم حلال؟ الآن.. ومع الاعلان عن القمر الروسي تثور التساؤلات من علماء الغرب الذين سيصيب بلادهم نصيب من نور القمر الجديد, وتتصاعد الاعتراضات والتحذيرات من آثار ذلك على كل شيء في الحياة.. النبات والحيوان والانسان. ويذكرونك هنا بالضجة الهائلة التي ثارت حول الميلاتونين وأثره في الحفاظ على حيوية الانسان وتجديده خلاياه. إن انتاج الجسم للميلاتونين يتم في الليل , فكيف سيكون الحال عندما يتحول الليل إلى نهار؟ ونترك العلماء يختلفون, والروس يستعدون للقمر المضيء الذي ينوون اطلاقه هذا العام, وننتقل إلى الجهة الأخرى.. حيث الليل ليل العاشقين بغموضه وأسراره, بدموعه وأفراحه, وبالفراق والحنين, وباللقاء وبهجته, أين سيذهب هذا كله لو أفسدوا الليل بأنوارهم الصناعية. في موسكو قبل سنوات, كان لنا حظ الفرجة البولشوي, ودخلنا المسرح واستمتعنا, ثم خرجنا فإذا بالنهار ما زال طالعا, والشمس لم تغب بعد, وفقدت الكثير من حالة النشوة بما شاهدته في المسرح, وغمرني الاحساس الذي كان ينتابنا حين نقوم (بالتزويغ) من المدرسة لنشاهد الحفلات الصباحية للسينما! لقد علمتنا القاهرة سهر الليالي, وسكبت في نفوسنا كؤوسا من الجمال البديع لا يمكن ان تنسى, كنا ــ بحكم المهنة ــ ننتهي من العمل في الثانية صباحا أو بعد ذلك, فنسرع إلى حيث تسهر القاهرة الجميلة, بمبدعيها وفنانيها وكتابها وشعرائها, وما أجمل ان ينتهي يومك بأحاديث المبدعين وهم في أصفى حالاتهم. وكانت المشكلة في هذه السهرات أن البعض لا يريد ان يعود لمنزله قبل طلوع النهار. هكذا كان الشاعر الكبير كامل الشناوي الذي كان يخاف من وحدة الليل فيقضيه ساهرا بين الصحاب, فإذا انفض السامر مبكرا ركب السيارة وأمر السائق ان يسير به في طريق الاسكندرية ثم يعود مع طلوع الشمس. وهكذا كان عبد الحليم حافظ.. الذي كان يخشى أن يفاجئه نزيف المعدة وهو نائم فلا يشعر به أحد, فكان يسهر حتى الصباح مع أصدقائه ثم ينام في النهار ليبقى تحت ملاحظة اخوته, إذا فاجأته أزمة صحية. لكن الآخرين كانوا يعانقون ليل القاهرة لأنهم لا يستطيعون مقاومة سحره, يأسرهم النيل في الليل, ويأخذ بألبابهم الفجر في ساحة الحسين وفي جوار الأزهر الشريف, وبين كنوز القاهرة القديمة. وقبل سنوات قليلة أراد بعض المسؤولين ان يعلموا القاهرة فضيلة النوم المبكر, وصدرت التعليمات بأن تغلق المحلات أبوابها بعد المغرب, وأن تغلق المقاهي قبل منتصف الليل, لكن القاهرة تمردت على التعليمات واضطر المسؤولون للتراجع. ماذا سيحدث لهذا كله لو نجحت التجربة الروسية وامتلأت السماء بالأقمار الصناعية المضيئة واختفى الليل من حياتنا؟ هل سينتهي هذا السحر الذي كنا نتمتع به أم سنتواءم مع الأوضاع الجديدة كما يتواءم أهل الشمال الذي يطول النهار عندهم العشرين ساعة, بل ويعيشون الآن بضع أيام بلا ليل, فيما يسمونه (الليالي البيضاء) في فنلندا وبعض أجزاء الاتحاد الروسي؟ وأين سيذهب تراثنا الغنائي الجميل, ونحن نبدأ الغناء بـ (يا ليل.. يا عين) ونصف ابداعنا الغنائي ابداع ليلي.. حيث الحب والسهر والقمر, و.. يطولوك يا ليل, ويقصرونك يا ليل! كنا نعيب على الاذاعات قلة التنسيق حين تذيع علينا ضمن أغاني الصباح أغنية مثل (ياليل كفاية حرام) أو حين تسمعنا أغنية (أمانة عليك يا ليل طوّل) ونحن نتناول طعام الغداء, فكيف سيكون الحال عندما يغني عبد الوهاب (في الليل لما مضى) والليل قد أصبح نهارا بالأقمار الصناعية, وهل سنصدق شادية وهي تذوب رقة حين تقول (غاب القمر يا ابن عمي يللا روّحني) , بينما القمر الصناعي يضيء لها الطريق ويفسد علينا المتعة, ويجعل ابن عمها يجد عذرا للتزويغ! وكيف سيكون مصير قمرنا العزيز الجميل الشاحب الذي يغيب فنفتقده, ويعود فنتغزل فيه؟ كيف سنراه إذا امتلأت السماء بمئات الأقمار الصناعية المتوهجة على الدوام.. هل سنظل نصف الحبيب بأنه (زي القمر) أم سيختفي الشعر من ليالينا؟ هذه وغيرها من الأسئلة ثارت أيضا قبل عشرات السنين ومع اطلاق أول قمر صناعي ومع ذلك ظل الليل والقمر ملاذا للشعراء والمبدعين وتلاحقت الأغنيات الجميلة تنتظر البدر حتى يكتمل, وتعايش المحبون حتى يلتقوا. أما قمرهم (الصناعي) فلا أذكر له في دنيا الفن إلا (مونولوج) يتيم كتبه صلاح جاهين من باب الدعابة, وغناه شكوكو. وأنا أكتب لك هذه (الاستراحة) في نصف ليل من ليالي القاهرة, بعد نهار من صيف لم نر له مثيلاً منذ عشرات السنين, والأرصاد تقول ان درجة الحرارة في النهار كانت أربعين, وأعصابنا المحترقة تقول انها تجاوزت الثمانين. ومع ذلك فكل شيء يهون وأنت تجلس في منتصف الليل تداعبك نسمات خجولة ويدغدغ مشاعرك قمر شاحب مثل وجوه العاشقين. ومن بعيد يأتي صوت أم كلثوم: واحنا معانا بدر.. طالع في ليلة قدر.. ونغلق الأوراق, وتخرس الأسئلة, ولا يبقى إلا ما تسجد لله شكرا عليه.