في السادس من مارس عام ,1861 أضيفت شمعة اخرى الى الحياة.. ففي قصر جورسنكو بمدينة كلكتا بجنوب دلهي, ولد رابندرانات طاغور, الذي غدا فيما بعد رائدا للرمزية, وشاعرا صوفيا, وبطلا مجاهدا, ورجلا ذو مواقف جبارة, وموجها لقضايا عدة , ليكون أخيرا مستقبل الهند بشكل خاص, وطريقا للمستقبل بشكل عام. فقد انتشر اسم طاغور وذاع أدبه حتى امتلك لقب العبقري والوجداني والصوفي, وأخيرا ــ ليس آخرا ــ نال جائزة نوبل للآداب عام ,1913 وهو في الثالثة والخمسين من عمره. اتصف طاغور منذ صغره بالتأمل والعزلة, وكلما كبر زادت ميوله للوحدة, مما نبه والده (دافندرانات طاغور) الذي كان ملقبا بــ (المهارش) القديس, حيث كان يتمتع بالتقوى والورع, وكان يعتبر أحد أعلام (اليوبانيشاد) التي تركت حتى يومنا هذا أثرا صوفيا وروحيا تقتدي به طائفة كبيرة من الشعب الهندي. فجعله والده خير رفيق له في زياراته الدينية, ورحلاته الى الهملايا, حتى استيقظ ذات يوم ليجد نفسه من جديد في عزلة جديدة ــ غريبة, بسبب وفاة أمه التي أحبها طاغور بجنون, والتي ايقظت بموتها الجانب الشعري فيه, لتكون بداية الفاجعة وبداية الشعر الحقيقي, لأن وفاة أمه لم تكن سهلة له, فالحبل السري الذي كان يربطه بالحياة, انقطع فجأة, لينكشف له الفاصل الحقيقي ما بين الحياة والموت. وأمام هذا الانكشاف كان طاغور يراقب تصاعد الموت امام نزول الحياة, كمن يراقب الفاجعة وهي تنصب الفخاخ لحزنه العميق, فتزوج من (مرينا لييني ديفي) التي أنجبت له ثلاثة أولاد. لكن الموت المتصاعد استطاع قطفها في عام ,1902 وهي لم تتجاوز بعد الثلاثين, وكأن الجرح العميق لا ينتبه الى غزارة الدم, وكأن الفاجعة المستمرة, تتابع استمرارها, لا لتصل, بل لتعيد البداية من جديد, فما أن أمضى العام الأول لوفاتها ــ وفاة مرينا زوجة طاغور ــ حتى لحق بها ابنه (ساميندرانات) ثم ابنته (رانوكا) , وابنته (بالا) . ليصبح ناسكا يستهوي الوحدة التي لم يصح من غيبوبتها الا بعد استعانته بالطبيعة, التي وصفها بأنها (أمه الثانية) ثم أعاد وصفها بأنها (أبوه وكامل أسرته) , لينطلق من جديد, في طريق جديدة, وكانت وسيلته في ذلك اتباع درب الصوفية, حيث واصل بها طيلة حياته. فطاغور الذي وصل الى ذروة الفاجعة, أوصل أدبه الى ذروة الابداع, حتى تناقلتها الألسن وأغتنت بها المكتبات في جميع العالم. فترك على صعيد الرواية: الأصوات الأربعة, بنو ديني, وفي المسرح: الضحية, شيترا. هذا ما عدا أغانيه الصوفية, حيث بلغت ثلاثة آلاف أغنية. اضافة الى لوحاته المشرقة, وموسيقاه التي اتصفت بالهدوء والرقة. فطاغور الذي نزلت عليه الفواجع من جميع النواحي, نزل الى الابداع ــ هو أيضا ــ ليكون الأديب, والشاعر, والمسرحي, والروائي, وكاتب الأغنية الوطنية والصوفية, والموسيقى والفنان التشكيلي الذي بدأه في عامه السبعين, حيث لم يتوقف طاغور لحظة عن الألم ــ الكتابة, حتى بلغت مؤلفاته مائتين وخمسة وسبعين كتابا, جمعت في 120 مجلدا. هذا المدخل محاولة لفهم روح الجمال عند طاغور, التي هي رؤيا اللانهائي, بطريقته الخاصة في رؤية العالم. لأن كتاب (ديانة الشاعر) التي كتبها اثناء نضجه الروحي والجمالي, والتي تعتبر بحق سر من أسرار هذا المبدع. فإنها لا تقف عند حد معين, بل تمر مرور النسيم. وقد نجح المترجمان موسى الخوري وغسان الخوري في هذا العمل, واستطاعا الاحتكاك بذاك النسيم الأبدي السريع, لأن (ديانة الشاعر) سلسلة كالهواء الذي يحيط بالأرض, حيث تلعب الأنوار والظلال لعبة الاختباء, وحيث تعزف الريح, مثل راع شاب على شبابتها بين قطعان الغيوم. فهي لا تلتزم أبدا بقيادتنا نحو خاتمة محددة, وتكشف في الوقت نفسه أفلاكا لانهائية من النور, لأنها غير محاطة بجدران تحدها. فطاغور الذي خبر الفواجع, وخرج منها فيلسوفا يقول: (تنكشف لنا قيمة الصحة الجيدة بعنف وبأسى عندما يأتي المرض ليتلفها, لأن الصحة تعبر عن وحدة الوظائف الحيوية, وهي بالنتيجة ينبوع فرح) . هذا الفرح الذي ينشده طاغور, فرح صوفي, يشبه الى حد ما انشاد ليلي تحت نوافذ الأحاسيس. ولمتابعة تطور هذا الفرح نصل الى النقيض, لأن الألم الكبير واضح عنده, وهي تشبه مذابحه غير المرئية والتي ــ جميعها ــ تمت في العمق. ولتقصي هذا الألم نكتشف أنه ــ الألم ــ (يرفض ويقاوم عندما يفهم في حدود الحقيقة المقيدة, لأنه يخالف الامتداد الضيق للحياة) . ولتوضيح فكرة طاغور اكثر نجد (أن المجتمع يعاني من ألم عميق, ليس بسبب معاناته من الفقر المادي, بل بسبب حرمان أفراده من معظم مشاعرهم الانسانية. فهذا الكتاب ــ (ديانة الشاعر) ــ يعد من أروع ما كتبه طاغور في الايمان. فهو يلج بنا بأسلوبه الساحر الى عالم الشعور بجمال الحقيقة الواحدة الكامنة والمتجلية في كل شيء, هذا الشعور الذي يفجر المحبة من قلب الانسان الشاعر ينبوعا عذبا للإبداع الصافي, هذا من جهة, ومن جهة اخرى لأنه مشي في درب الصوفية, ومن يمشي في هذا الدرب ــ الصوفية ــ فإنه لا يخشى الألم والموت.