قطعت السيارة نحو 700 كيلومتر وسط جنات من خضرة ساجية مترامية تغطيها غابات وحقول ومراع على مرمى البصر, طالعته اللافتة التي ظل ينتظرها عبر الطريق الطويل ـ لافتة تقول للمسافرين :ان نقطة الحدود اصبحت قاب قوسين أو ادنى من علامات الطريق, بلع ريقه عدة مرات وشعر بارتفاع معدلات الادرينالين في مجرى العروق, شعور يراوده كلما اقترب من خط الحدود في وطن العرب الذي ينتمي اليه, وهو شعور يشكل مزيجا من المرارة والاحباط ومن الحنق والغضب ومن الرفض والسخرية في آن, يذكر اليوم ولا ينسى كيف اجتازت به سيارة اخرى حدود قطر عربي ملأ الدنيا ولايزال بشعارات حول وحدة مصير العرب, وشحن الاجواء ولايزال بأهازيج يتغزل بها في عيون العروبة العسلية وفي الاخوة اليعربية والشرف العروبي الذي لا يسلم من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم, كان ذلك منذ بضعة عشر عاما, وحين شارف على مخفر الحدود اليعربي ابرز جوازا دوليا يحمله بحكم عمله في منظمة دولية, ضرب له الجندي الواقف تعظيم سلام وحاول ان يحكي معه بكلمات انجليزية فهم من غوامضها معنى الترحيب بالخواجه ـ الدولي ــ الزائر, بادره صاحبنا ـ يالفرط سذاجته ـ بتحية منحوتة من تراث بني قحطان أو عدنان, يستويان, جفل الجندي الحارس وسأل الزائر من اين؟ اجابه صاحبنا باعتزاز اشد سذاجة: من مصر العربية يا اخي.. هنالك امره الاخ العزيز بصف السيارة والدخول إلى كشك المخفر الحدودي الخشبي وقد كان يتلظى تحت اشعة حزيران ثم عليه ان يقدم جواز سفره الوطني ــ اليعربي حتى لا ننسى, والانتظام في سلك الطابور, ولما كان يتعامل مع ظاهرة القومية العربية بروح رياضية يحسد عليها, فقد دخل الكشك الملتهب قيظا فلم يجد طابورا ولا مسؤولا, لا احد على الاطلاق, اللهم الا بضع ذبابات ملأت المكان ضجيجا ربما من فرط الملل وطول الانتظار, وحين عاد إلى الجندي الحارس يحمل الف علامة استفهام جاءه الجواب: ـ ولو .. يا اخانا.. عليك ان تتحملنا ان هي الا (تكة) ويأتي سيادة النقيب ومعه ختم الدخول, ورغم ان اهل ذاك البحر يعايرون توقيت (التكة) الموعودة ببضع دقائق لا تزيد, الا ان المسألة طالت ساعات إلى قرب الغروب, وهي ساعات القيلولة التي امضاها السيد النقيب بين نوم العوافي ومتعة الاغتسال, كان هذا, كما يذكر ولا ينسى, منذ بضع عشرة من السنين, لكن خط الحدود الذي بدأ يجتازه اليوم كان خطا جديدا, هو ذلك الفاصل بين الولايات المتحدة وكندا, وقد شارف عليه بعد الكيلومترات السبعمائة التي قطعها إلى الشمال من ولاية نيويورك في طريقه إلى مقاطعة كويبك الفرنسية في كندا وبالتحديد إلى عاصمتها مونتريال, باريس, امريكا الشمالية, كما يسمونها, اما النقيب في هذه السفرة الجديدة فلم يكن رجلا كث الشارب غليظ الملامح, لقد كان حسناء كندية قرب منتصف العمر اقرب إلى الامتلاء, لكنها ها هي تعوض سمنة الجسد بقدر تحسد عليه من رقة المعاملة وخفة الروح. لكنها كانت تؤدي واجبها في كل حالة كلمة من هنا وسؤال من هناك من اين جئتم؟ وأين تقصدون؟ وكم يوما تقضون؟.. وسبب الزيارة.. ثم نظرة فاحصة ولا شك على جوازات السفر واخرى على وجوه الظاعنين القادمين من نيويورك.. و.. تفضلوا.. حظا سعيدا واقامة طيبة. مونتريال او مونريال كما ينطقها اهلها المتمسكون برابطة الفرنسة العتيدة الفرانكوفون تطالعك بكلمة تكاد تكون المفتاح السري تتردد في أكثر من مكان والكلمة هي:(شامبلين) فأنت تدلف الى المدينة عبر جسر ضخم يربط بين جزيرتها وبين اليابسة, ويعبر نهر سان لورانس العظيم وهو جسر شامبلين وانت تطالع الاسم وتسمعه يتردد في متاحف مونتريال وساحاتها وحوليات تاريخها كيف لا والاخ صامويل دي شامبلين شخصياً هو مؤسس مدينة مونتريال في اوائل القرن السادس عشر للميلاد وهم بهذا يعدونها مدينة عتيدة وعتيقة لان عمرها كما ترى يزيد ــ باسم الله ما شاء الله ــ على 400 سنة (القاهرة سيصل عمرها المديد باذن الله بعد بضعة أشهر لا غير, الى الف وثلاثين سنة من عمر هذا الزمان, ودمشق وبغداد والقيروان اقدم من هذا التاريخ بعدة قرون, ومع ذلك فأهل المقاطعة الفرنسية ــ كويبك اوكيبك كما ينطقونها في كندا يعتزون بعراقة مدينتهم ويصفونها بأنها ثاني اقدم مدينة في قارة امريكا الشمالية بأسرها, المدينة الاولى الاقدم هي كيبك على اسم المقاطعة ذاتها. ولا يعرف الشوق الا من يكابده, ولا يعرف هدوء مونتريال الكندية ولا يقدر وداعتها الاليفة حق قدرها الا نفر من امثال صاحبنا ومرافقيه في الزيارة وقد جاءوا من نيويورك التي يمكن ان تحمل اسم المدينة ــ الوحش: ان نيويورك مدينة لا تنام ولكن مونتريال مدينة تغفو ومن ثم تحلم وترتسم على شفتيها ابتسامة صباح. في نيويورك يصل أذنيك باستمرار عويل صفارات الانذار والنجدة والطوارىء من كل صنف ولون ــ الشرطة والاسعاف والمطافىء في تواتر لا يكاد ينقطع ونيويورك مدينة معذورة اذ يسكنها مع ضواحيها نحو 15 مليون انسان وهم من كل وطن وطائفة وجنس وملة, في حين ان مونتريال مدينة محظوظة, عدد سكانها يزيد قليلاً على 3 ملايين نسمة فقط لا غير ثم انك تلحظ بسهولة كثرة الوجود العربي في الشوارع والمقاهي والمحلات في شارع سانت كاثرين التجاري الصاخب ــ ولعله المكان الوحيد الصاخب في المدينة المتفرنسة ــ دخلنا بالصدفة محلا للعاديات نبتاع تذكارات عن زيارة المدينة ــ وكالعادة بدأ الحديث بالفرنسية ثم تحول الى الانجليزية ــ واذ تلاقت العيون مع صاحب المتجر ومع مساعدته السمراء انتقل الحديث دون ان نشعر الى لغة بني قحطان: ــ داعيكم حاتم.. من العراق ــ اهلاً وسهلاً.. والسيدة؟ ــ اسمها وهيبة .. وهي من المغرب ــ ونحن من مصر وهكذا اجتمع شمل المشرق والوسط والمغرب من جامعة العروبة دون ترتيب من جانب الدكتور عصمت عبدالمجيد ولا جامعته القليلة الحيلة المهيضة الجناح.. وبدأ الانتقاء لأفضل الموجود وبعدها أبى أخونا العراقي ــ رغم ما بدا عليه من رقة الحال ــ الا ان يتنازل عن اقتضاء الضرائب على ما اقتنيناه من مشتريات وليس لك ان تستهين ــ من فضلك ــ بحكاية الضرائب التي تجبيها حكومة كندا السنية من رعاياها سواء كانت حكومة المدينة او المقاطعة او الاتحاد الكندي بجلالة قدره, ضرائب تصل في مجموعها الى نحو ثلاثين في المائة وقد دفعناها فوق حساب الفندق الباذخ الذي أوينا إليه.. وقبل أن نمصمص الشفاة أسى على حالة الاخوة الكنديين علينا ان نتساءل في أمانة وموضوعية: بغير مثل هذه الضرائب على فداحتها ــ كيف يتسنى لحكومة ما ان تسهر هكذا على نظافة المدينة التي تبدو شوارعها وكأنها خارجة لتوها من عمليات الغسيل والتنظيف ــ هل نقول الكي والتستيف والتلميع؟ وأجمل ما يروعك في مونتريال هو فن تنسيق الزهور ما بين عقود الياسمين أو منظومات البنفسج وفروع الفل الناصع البياض.. تجدها في شرفات البيوت وفي مداخل المحلات وفي زوايا الشوارع. وكم يخفق القلب اشفاقا على هذا كله إذ تنتفي صبوة الصيف وتدخل كآبة الخريف وبعدها تزحف جحافل الشتاء فاذا بهذا الجمال الرباني والاجتهاد الانساني تخبو أنواره وتذوي أغصانه وتذبل زهوره وتصوّح مغانيه, وإذا بالثلوج تغطي مونتريال بأسرها.. الأرض والشرفات والزوايا.. وتكاد تنفذ إلى قلوب الناس لكن كيف للحياة أن تقف دولابها وسط مثل هذا الشتاء الشمالي الذي تأتيه رياح المنطقة القطبية الرهيبة الزمهرير؟ هناك فكرت مونتريال في ان تنزل بحياتها إلى تحت الأرض. فإذا بالقوم يؤسسون ما يكاد يشبه مدينة مسحورة أخرى. لكنها لا تحوي الجنيات أو العفاريت كما تقول الأساطير. هي شبكة في غاية الكفاءة والنظافة والأناقة أيضا فقطارات مترو الانفاق ومعها أكثر من 20 مركزا ضخما من مراكز التسوق في كل أنحاء المدينة الأرضية ناهيك عن سلاسل المسارح ودور السينما والنوادي والبوتيكات وساحات المآكل التي تضم كل أصناف المطاعم (فود كورتز) حيث تصادفك ألوان المأكول والمشروب ما بين الكبة النية اللبنانية إلى أرز الباييا الاسباني. ولا تنسى بالطبع حساء ضفادع السين الباريسي المشهور ألسنا في إحدى قلاع ثقافة فرنسا وتراثها.. يتمسك بها القوم, وان كانوا من أجل المعايش وبحكم منطق المواءمة مع جارهم الفتوة الأمريكي المستعفي يعمدون إلى استخدام الانجليزية باستمرار جنبا إلى جنب مع الفرنسية وهي اللغة الرسمية لمقاطعة كويبك بموجب الدستور. استغرقت الرحلة أربعة أيام وقطعت السيارة نحو 1500 كيلو متر.. وعاد الركب إلى حيث خط الحدود الكندية ــ الأمريكية من جديد.. وعاد ادرينالين التوتر المعهود إلى الصعود في الشرايين وكان النقيب الأمريكي هذه المرة موجزا في السؤال: ــ معكم أغراض للجمارك؟ ــ لا. ــ سجائر؟ ــ بطلناها. ــ خمور؟ ــ أعوذ بالله. ــ إذن تفضلوا.. لكننا تفضلنا على مضض غريب.. فأين البهدلة التي ألفناها وتعودنا عليها؟ وأين سؤال ناكر ونكير الذي يعترض في كل غريب لصا مختفيا بين طيات الثياب؟ وأين التدقيق والتمحيص بل التفعيص في بيانات الجواز ومقارنة صورته بسحنة الزبون المسافر وكأن ثمة افتراضا بأن هذا المسافر ربما يكون أخطر مزيف جوازات في العالم المعمور؟ أين التعنت والرغبة البيروقراطية اليعربية في ارهاق خلق الله؟ لم يحدث شيء من هذا لا من قريب ولا من بعيد, و... وسلم لي على نقيب نقع صاحبنا ساعات في لهيب بادية بينما كانت ترفرف من حوله أعلام الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة.