تجربة مثيرة خاضها الروائي الكولومبي غابرييل جارسيا ماركيز منذ سنوات طويلة, لا تتعلق بموضوع رواية جديدة ولا حتى بتحقيق صحفي. هذه المرة شكل ماركيز ورشة لكتابة السيناريو السينمائي والتلفزيوني في مكسيكو . ولأن السيناريو الآن يحتل موقعا متقدما في اهتمامات الروائيين والكتاب عموما بعد اجتياح العالم عصر الصورة والمشهدية فإن هذه التجربة تأخذ أهميتها من وجود ماركيز ذاته الذي يكشف هنا أسرار مهنته كصاحب مخيلة, وكيف تنمو بذرة القصة شيئا فشيئا بوجود اكثر من فكرة متجاورة, تجتمع في النهاية لتشكل حكاية صالحة للمشاهدة. الجلسات التي قادها ماركيز بحضور ورشة من فناني أمريكا اللاتينية باختصاصات متعددة تم جمعها مؤخرا في كتاب, أخذ عنوانا موحيا: (كيف تحكي حكاية) وترجمة الى العربية عن الأسبانية صالح علماني. السيناريوهات المنجزة في هذه الورشة تتحدث عن ثلاث عشرة قصة حب, تدور أحداثها في أمريكا اللاتينية عبر نصف ساعة زمنية هي مدة الحلقة الواحدة من هذه السلسلة, ان نصف ساعة هو حجم مثالي. انه يصل مثل ضربة سهم. فإما أن ينجح أو لا ينجح. يقول ماركيز: (اكثر ما يهمني في هذا العالم هو عملية الابداع, أي سر هو هذا الذي يجعل مجرد الرغبة في رواية القصص تتحول الى هوى يمكن لكائن بشري ان يموت من أجله, ان يموت جوعا أو بردا أو من أي شيء آخر لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه, وهو شيء في نهاية المطاف, اذا ما أمعنا النظر, لا ينفع في أي شيء, لقد أعتقدت يوما ــ أو توهمت بأني اعتقدت ــ بأنني ساكتشف فجأة سر الابداع.. اللحظة الحاسمة التي تنبثق فيها الفكرة. ولكن حدوث ذلك راح يبدو لي أصعب فأصعب. لم أتوصل الى اكتشاف اللحظة الحاسمة التي تنبثق فيها الفكرة, وقد تحول ابتداع قصص جماعية الى نوع من الإدمان) . بالمقابل يؤكد ماركيز على أهمية البعد الخفي للصورة أو المشهد فليس مهما ما يظهر في مقدمة الصورة انما ما يحدث في الخلفية او خلفية الخلفية, فالتفصيل الصغير هو ما يمنح الحدث بعده ودلالته ويضرب مثلا على ذلك أنه شاهد في احدى المجلات صورة لامبراطورة اليابان يحيط بها الحراس في جو ماطر بينما وضعت الامبراطورة الشاحبة مظلة سوداء تحمي رأسها من المطر. ماركيز هنا لم تلفت انتباهه الامبراطورة ولا حراسها بمعاطفهم البيضاء المطرية, بل بالمظلة التي تحملها الامبراطورة.. المظلة! فهنا تكمن قصة ما ولكن كيف ستنبثق هذا هو ما يحتاجه الابداع ! كانت ورشة ماريكز تقوم بتصنيع القصص ومناقشة الأفكار ثم تفكك القصة للتخلص من الثغرات وترميم النص من جديد: (يجب أن نتعلم الاستبعاد. فالكاتب الجيد لا يعرف بما ينشره بقدر ما يعرف بما يلقيه في سلة المهملات. الآخرون لا يعرفون ذلك, ولكن أحدنا يعرف ما يلقيه الى القمامة, وما يستبعده وما سيستفيد منه. واذا كان يستبعد فان هذا يعني انه يمضي في الطريق السليم. ويجب على أحدنا حين يكتب ان يكون مقتنعا بأنه افضل من ثير بانتسي, أما عكس ذلك, فإن المرء سينتهي لان يكون أسوأ مما هو في الواقع. يجب التطلع عاليا ومحاولة الوصول بعيدا. ويجب امتلاك وجهة نظر, وكذلك شجاعة بالطبع لشطب ما يتوجب شطبه..) ان مشكلة كاتب السيناريو ليست على الورق بل عندما يتحول هذا الورق الى صورة فالمخرجون يلحقون عادة أشد الفظاعات بالنصوص, لكن ماركيز يوصي بعدم فقدان الأمل فهذا هو قدر كاتب السيناريو ويرى أنه من أجل صنع سيناريو جيد لابد من الشطب ومن القاء الكثير من الأوراق الى سلة المهملات ضمن عملية نقد ذاتي صارمة, فالكتابة المشهدية تشبه قواعد لعبة الشطرنج لا يمكن خرقها: الفيل يجب ان يتحرك هكذا, والقلعة هكذا, والبيادق هكذا, فإذا حاول المرء تبديلها في الطريق لن يتقبل الآخر ذلك. والسر في اللعبة الكبيرة, القصة نفسها, فإذا ما صدقوها, تكون قد نجوت (ويمكنك مواصلة اللعب دون قلقل) . الكتابة التلفزيونية أو السينمائية بمعنى آخر تشبه طبقات الطلاء: لابد أولا من طلاء وجه أول والانتظار الى ان يجف وبعد ذلك الوجه الثاني وهكذا. في أثناء المناقشات الساخنة داخل الورشة حول فكرة ما, يحاول ماركيز التأكيد على نقاط جوهرية لا تتعلق مباشرة بالفكرة المطروحة بل بالمغزى العميق للفن. يقول ردا على قصة طرحها أحد أعضاء الورشة: (لكنها مازالت بحاجة الى تهذيب وصقل وتحديد.. لابد من اقرار المستويات والأوزان في القصة, مثلما هي الحال في الملاكمة) ويؤكد أن اعجاب الكاتب بما أنجزه يضر العملية الابداعية أكثر مما يفيدها متذكرا جملة سمعها من أحد النقاد تعليقا على روايته الأولى (عاصفة الأوراق) : (أنها جيدة, ولكنها ليست بالرواية العظيمة بالطبع) . لا يمكن لاي رواية أولى ان تكون رواية عظيمة) . ويعلق ماركيز: لقد عانيت من خيبة أمل رهيبة وكنت أفكر: لقد تخوزقت الآن حقا, فأنا عاجز عن كتابة شيء أفضل من هذا) . وعلى مدى النقاشات كان ماركيز يؤكد ان السينما ــ الروائية خصوصا ــ ستبقى خاضعة للأدب. فمن دون هذه الركيزة الأدبية, مهما كانت مقتضبة, لن تكون هناك أفلام: (يشعر أحدنا باغراء ان يقول انه دون السيناريو لا توجد سينما, ولكن ربما بدا هذا اطراء زائدا لعمل كاتب السيناريو وهو عمل تقني الى حد بعيد.. ونقيضة السينما الكبرى على المستوى العالمي اليوم لا تكمن في التقنية وانما في نقص الأفكار الأصيلة, فالفكرة تموت لدى ولادتها اذا ما قال المرء لنفسه (انها فكرة عظيمة, لن أعرضها على أحد ولن أناقشها مع أحد) وينصح في مكان آخر انه علينا أن ننسى مواضيع العمل خارج وقت العمل ولابد من تعلم التحكم بالنفس. في خاتمة الكتاب الذي هو ختام أعمال الورشة أيضا يتحدث ماركيز عن العلاقة ما بين النظرية والممارسة في حالة كتاب السيناريو وقبل ذلك ينسف الفكرة الشائعة التي تقول ان موضوعات الدراما تتلخص بست وثلاثين حالة درامية ويرى انها ثلاث حالات كبرى: (الحياة والحب والموت) وفي الحديث عن كاتب السيناريو يؤكد على أهمية المونتاج في الكتابة وهذا الأمر لا يتحقق للكاتب اذا لم يجلس وراء (المافيولا) ويرى عن قرب كيفية الانتقال من مشهد الى آخر على شاشة المافيولا, فالسينما دون التوالي المتواصل ــ مثل الرواية ومثل الحياة دون تسلسل.. ليس لها معنى وبالتالي فالمونتاج السيء يدمر افضل الأفلام والمونتاج الجيد هو جزء لايتجزأ من عملية الابداع وليس هناك ابداع حقيقي دون مجازفة ودون مقدار من الارتياب وعلى هذا الاساس يقول ماركيز إنه لا يقرأ كتبه بعد طباعتها خوفا من اكتشافه لثغرات عمله ويضيف ساخرا إنه بعد أن قرروا منحه جائزة نوبل: (يا للعنة, لقد ابتلعوا الأكذوبة) فهذه الجرعة من عدم اليقين رهيبة جدا ولكنها ضرورية أيضا لعمل شيء جدير بالعناء والذين لا تراودهم الشكوك مطلقا يتلقون صدمات مروعة. دمشق ـ البيان