القصة المعروفة تقول ان اسحق نيوتن(1643ـ1727)كان جالساً على مقعد تحت شجرة تفاح, مستغرقاً في قراءة كتاب, عندما سقطت من الشجرة تفاحة ارتطمت برأسه.. فكانت هذه الواقعة مفتاحه لوضع قانون الجاذبية وقوانين الحركة . ومن المؤكد ان هذه لم تكن اول مرة تسقط فيها ثمرة من شجرة فوق رأس انسان جالس او عابر.. وانما حدث هذا آلاف وملايين المرات على مدى تاريخ البشرية الطويل. وانما الفارق هنا ان العالم الانجليزي لم يكتف بتحسس مكان ارتطام التفاحة برأسه.. وانما راح يفكر: لماذا تسقط الثمرة على الأرض, ولا ترتفع الى اعلى عندما تنفصل عن غصنها؟ ثم انتقل من هذا الى التفكير فيما كان يمكن ان يحدث لرأسه لو ان التفاحة كانت كرة من الصلب او النحاس.. او الحرير.. وهكذا .. اكتشف نيوتن قوانين الجاذبية, والحركة, وعلاقتها بالكتلة والسرعة, واستحق بجدارة ان يسمى اذكى وأعلم اهل زمانه. نقطة البداية اذن كانت انه تساءل (لماذا) ؟ ولم يكتف بمشاهدة الظاهرة التي عرضت له وهو مشغول عنها بقراءة كتاب. ثم اتبع (لماذا) ؟ بسؤال آخر هو (كيف حدث ذلك؟) ومن الاجابة على السؤالين اثرى البشرية كلها بعلم جديد... ولكننا, بعد 300 سنة من حديث نيوتن مع التفاحة لسنا في حاجة الى تكرار نفس التجربة لاختبار درجات الذكاء.. وانما لدينا لحسن الحظ وسائل اكثر بساطة.. ليس فقط لقياس ذكاء الاطفال, بل والقرود ايضاً.. في حديقة حيوانات لندن, اجرى احد العلماء مسابقة لمعرفة اي انواع القرود اكثر استعداداً لاستخدام عقلها.. فأحضر سباطة موز علقها في وسط سقف ارتفاعه ثلاثة امتار, لحجرة عارية من اي شيء سوى ثلاثة مكعبات خشبية طول ضلع اصغرها قدم واحد واكبرها قدمان.. مركونة في بعض زوايا الحجرة الجرداء.. ولم ينجح في الاختبار سوى ثلاثة قرود كانت كلها من نوع الشمبانزي, حيث تصرفت كلها بطريقة واحدة... هي وضع المكعبات الثلاثة بالترتيب تحت سباطة الموز, الاكبر تحت والاصغر في اعلاها.. ثم ببساطة يتسلق القرد المكعبات ليصل بسهولة الى الموز. ومع ان هذا حدث على مشهد من عدد من الثعالب, ومع ان الثعالب معروفة بالمكر والخبث والدهاء, الا انها عجزت عن فهم ما فعلته قرود الشمبانزي, ولم تحاول حتى تحريك المكعبات الخشبية من اركانها.. وهكذا صدرت الشهادة بأن الشمبانزي (لديه قدرات عقلية) .. تساوي تقريباً قدرات طفل آدمي في الخامسة من عمره.. بينما هذه القدرة معدومة تماماً عند سائر الحيوانات. اما بالنسبة للأطفال فوق سن السابعة, فان اشهر التجارب العالمية لقياس مدى ذكائهم تجربة اسمها (لغز الجورب) .. وخلاصة اللغز, ان الكهرباء انقطعت فجأة عن المنزل بينما كان جندي المرور يستعد لمغادرته للذهاب الى عمله.. وكان الرجل قد ارتدى ملابسه ولم يبق سوى الحذاء والجورب وموعد عمله قد اقترب, ولم تكن هناك مشكلة فيما يتصل بالحذاء, فهو لا يملك سوى حذاء واحد. ولكن المشكلة كانت في الجورب, لان لديه عشرة ازواج بيضاء, وعشرة اخرى سوداء.. والسؤال هنا: ما هو اقل عدد من الجوارب يأخذه رجل المرور معه للخارج, كي يستطيع ان يجد في النور فردتين من لون واحد؟ الاجابة قد تبدو سهلة بالنسبة للكبار, فان ثلاث فردات ستكون كافية جداً لكي يجد رجل المرور فردتين متشابهتين.. حيث لا يوجد سوى احتمالين كل منهما يؤدي النتيجة المطلوبة.. اما ان الفردات الثلاث متشابهة.. واما ان تكون هناك فردتان.. مختلفتان, واذن فالثالثة لا بد ان تكون بلون احداهما.. وقد اجري الاختبار على اطفال اكثر من اربعين جنسية مختلفة من القارات الخمس تتراوح اعمارهم بين السادسة والسابعة. وكانت النتيجة مخيبة للآمال.. ففي امريكا الشمالية لم تزد نسبة الحل الصحيح على 5 بالمائة. وفي اوروبا واليابان تراوحت بين 5,5 و6 بالمائة. وفي افريقيا كانت 6 بالمائة في شمال الصحراء, و5 بالمائة في جنوبها. اما اغرب النتائج على الاطلاق فكانت في انجلترا, بلد اسحق نيوتن, حيث لم تزد النسبة على 2 بالمائة. غير ان العلماء يجمعون على ان ذكاء الطفل دون العاشرة لا يؤكد بالمرة تفوقه بعد اجتياز مرحلة الصبا. فهناك عوامل كبيرة تتدخل في حياة الصبي ــ خاصة في فترة المراهقة ــ ومعظمها خارج عن ارادته.. هي التي تحدد بدقة اكبر مستقبل حياته. ومنذ نحو مائة عام عبر الكاتب المسرحي البريطاني جيمس باري عن هذه الحقيقة بقوله اذا (تغيرت الظروف, تغيرت الاوضاع) وهو القول الذي عرضه بتفصيل اوسع في مسرحيته (كرايتون العجيب) .. حيث جنح اليخت الذي يحمل اللورد. واسرته الارستقراطية وخدمة الى جزيرة معزولة.. وبحكم ضرورات الحياة. يصبح كبير الخدم كرايتون هو سيد القوم وحاكمهم.. ويصبح اللورد وأسرته وبقية الخدم مجرد رعايا له.. وذلك لسبب واحد, هو ان امكانيات كرايتون وحجم (ذكائه) يؤهله للقيادة ولكن الظروف الاجتماعية السائدة في بريطانيا هي التي حكمت عليه بأن يكون مجرد رئيس خدم.. بينما نفس الظروف هي التي جعلت من رجل محدود القدرة والذكاء.. لورد عظيم الجاه والنفوذ. نفس الفكرة يعبر عنها صديقنا الراحل الرائع يوسف ادريس في قصته (لغة الآي آي) والتي يحدثنا فيها عن فهمي.. الذي كان اذكى تلاميذ الفصل في المدرسة الابتدائية, وآثرهم بثناء المدرسين والناظر والتجلي امام المفتشين. وزميله الحديدي الذي كان يعتبره مثله الاعلى في كل شيء, حتى بعد ان كبر وتزوج وانجب سمى ولده باسمه فهمي تيمناً بعبقرية زميل الطفولة.. ثم دارت الايام دورتها, فاذا بالحديدي استاذ ودكتور ورئيس اكبر مؤسسة دوائية في الشرق ومرشح دائم للوزارة وعضو من عشرات اللجان والهيئات العلمية في الشرق والغرب, واذا بفهمي العبقري في منتصف الاربعينات من عمره كيان بائس مطحون اهلكته مخلفات البلهارسيا ولم يعد فيه شيء من ذكاء الطفولة او عبقرية المدرسة الابتدائية. وصحيح.. عندما تتغير الظروف, تتغير الاوضاع. وصحيح ايضا ان الذكاء ليس هو الشرط الوحيد للنجاح في الحياة بمقاييس النجاح في هذا العصر.. بل لعل الاقرب للصحة ان ذكاء المرء محسوب عليه.