عالم الفنان الخاص, عالم يحوطه السحر, يكتنفه الغموض, يثير الفضول, ويفجر الكثير من الاسئلة.. ما هي مفردات الفنان, اشياؤه الخاصة التي تحفزه على العمل وتفجر ينابيع الابداع لديه ؟! هل هناك طقوس معينة للكتابة! ماهي منابع الابداع لديه ؟! ما الذي يدفعه الى الكتابة؟! هذه محاولة للاقتراب من عالم الروائي الكبير خيري شلبي, في مسكنه الخاص في المعادي احدى ضواحي القاهرة, بحثا عن اجوبة, في لقاء خاص لقراء جريدة (البيان) . - ارى على مكتبك كما هائلا من اقلام الحبر, من ماركات مختلفة حتى يبدو الامر كأنه معرض للاقلام؟ ـ خيري شلبي (ضاحكا) انا عاشق للاقلام الحبر, لشكلها, ولمنظرها, اقلام الحبر عامة تلفت نظري خاصة القديم الاثري منها, فاذا ما اعجبت باحد ها اشتريه فورا, ولدي اكثر من ثلاثمائة قلم ثمين بعضها ذهب او فضة وماركات مختلفة! - بماذا تعلل هذا العشق؟ ــ منظر القلم في اليد له شمخة! مسكة القلم عندي مزاج, لايمكن ان يكون لها بديل ابدا القلم نفسه يلهمني القلم ملهم بمنظره بسنه! - وماذا تفعل عند حصولك على قلم حبر جديد؟! ــ اي قلم يصلني لابد ان اجربه املأه حبرا, وافتح اجندة جديدة كنوع من التحية له, لارى خطه, وفي هذه الحالة اجد انني اكتب ولم اكن انوي ذلك ولم يكن في ذهني موضوع للكتابة فهي مجرد تجربة للقلم, تماما مثلما يأتيك فأس جديد في عزق الارض فإذا بالتجربة تخرج شيئا من جوف الارض قد يكون كنزا, وبقراءة ماكتبت ــ بعد ذلك ــ اجد فيه شيئا ما, يظل محفوظا في الاجندة! - ولكن, لماذا تكتب في اجندات, بينما اعتاد كثير من الكتاب ان يكتبوا اما في كشاكيل او في ورق سايب؟ ـ بالنسبة للكشكول, اتذكر ان ابي اوصاني ان الخص فيه كل كتاب اقرأه, حتى اثبته في رأسي, فكنت اثناء التلخيص اكتشف ان هناك عبارات ــ لاصحاب تلك الكتب ــ بقيت كما هي مع الورق السايب ربما يتعثر الوحي, اما مع الاجندة فالامر مختلف لانها تعطيني الاحساس بالخصوصية تشبه المذكرات السرية التي لن يراها احد, وهو ما يمنحني التدفق اثناء الكتابة في موضع ما ولكن للاجندة معي حكاية! نصيحة يحيى حقي - ماهي هذه الحكاية! بدأت هذه الحكاية منذ مايقرب من ثلاثين سنة, عندما زرت يحيى حقي اثناء رئاسته لتحرير مجلة (المجلة) فسألني عن القصة التي قرأها ولم تعجبة فأخبرته انني مزقتها (طالما لم تعجبك) فاصفر وجهه لفعلي وكأنني ارتكتب جريمة وقال لي: اياك ان تكتب ورقة وتمزقها يجب ان تحفظها وتنظر فيها بعد فترة من المؤكد ان تجد فيها شيئا ما فقد تعيد كتابتها او تعدلها, فمثلا بعد ان رفضت قصتك واختفيت كنت اريد ان اراك لاخبرك انني غيرت رأيي, وكان يمكن استبدال كلمة, واحدة باخرى وتصبح قصة عظيمة, لان القصة القصيرة قد تهدمها كلمة واحدة او قد تحييها! - نصيحة قيمة من فنان كبير هل استفدت منها؟ ــ بطبيعة الحال من يومها اصبحت اكتب في اجندات مع القلم الجديد تأتي الكتابة, فاكتب في موضوع ما في تيار معين انعدل على سكة معينة لا اعرف الى اين ستقودني, لانني اعتقد ان معرفة السكة الصحيحة تتيح المشي للامام دون دليل وطالما سالكة, اسير فيها فتقابلني مناظر واحداث وحيوات, حتى تنسد عندئذ اعرف ان هنا نهاية المطاف! - ولكن كيف تدخل ــ عادة ــ الى اجواء فعل الكتابة؟ انني اعمل بنظرية الشاعر صلاح عبدالصبور التي تسمى (الوارد) بمعنى ان هناك شيئا قادما اكتبه, واحيانا يسهل ربنا, وتأتي الكتابة! كما ان الاجندات تصبح مفيدة جدا, حين لاتوجد مشاريع محددة او افكار جاهزة, ولكن يوجد حنين الى الكتابة, والحنين الى الكتابة عندي اساسي اهم من الفكرة واهم من المشروع لان الحنين الى الكتابة يخلق مايكتب, اي يوجده, وهو مايسمى الوحي! طقوس الكتابة - هل يكون فعل الكتابة مصحوبا بطقوس معينة؟! ــ عندما يكون لدي حنين للكتابة, وليس في رأسي شيء محدد يكتب يكون كل مالدي احساس مفعم بالبهجة وتكون الاقلام امامي جاهزة ممتلئة حبرا (ستة او سبعة او عشرة اقلام) وتكون الاجندات التي احب ان اكتب فيها مشرعة عندئذ اقرأ في شيء حميم, عمل من الاعمال الادبية الكبيرة (موبي ديك) الساعة الخامسة والعشرون) , (الحرب والسلام) اي اكون مثل طلمبة الماء المعدنية, التي تتطلب ان يوضع فيها اولا قليل من الماء, حتى تستخرج الماء من جوف الارض فاضع بعض القراءة حتى ينتعش الخيال والوجدان والطموح وعندي ان القراءة الحلوة تعطي كتابة حلوة! - هذا يجرنا الى سؤال لماذا تكتب؟ انا من النوع الذي لا اعرف كيف اكذب او افتأت على الواقع, لانني اكتب اساسا مدفوعا بحالة صدق مضادة للمجتمع اي انني اعاند المجتمع واريد ان اتمرد عليه وان افضحه, لانه سبب لي الكثير انا واخوتي هذا المجتمع لايستحق ان اداري عليه, وفي الوقت نفسه لا استطيع ان اكذب او افتات عليه, لانه عندما تتوافر له فرصة لفعل الخير يفعله, ودليل على ذلك عندماجمع مدرس المدرسة لي ثمن شراء نظارة نظر من الفلاحين ببساطة, حتى اتمكن من الالتحاق بمعهد المعلمين, ولان هذا المجتمع في حالته الصحيحة لايكون هناك مجتمع آخر مثله, هذا المجتمع ــ في نظري ــ قادر على ان يكون عظيما فما المانع؟ من هنا ينشأ الغضب هذا الغضب يفجر افكارا ويجعلني ارى اشياء في المجتمع تؤكد وجهة نظري او تناقضها فاختار منها مايصلح لعملي! فأنا خاضع لاحساسين متناقضين: احساس بالمواجهة ضد هذا المجتمع واحساس بعظمة هذا المجتمع, وما بينهما هو الفن الذي ينتج! منابع الابداع - اراك في غالبية اعمالك مخلصا لتجربتك الخاصة الخصبة, في اعماق ريف القرى المصرية, وفي الاحياء الشعبية في المدينة؟ انا اقرب الى الكاتب الامريكي هنري ميلر, الذي يروي تجربته الخاصة ويخلص لها ولو على حساب البناء الروائي, فهو معني بالتعبير عن نفسه وعن تجاربه الشخصية وانا اختلف عنه انني معني بالبناء الروائي, الذي يرجع الى اهتمامي بالوجدان الجماعي, واعادة بناء المجتمع, فأنا على غير وفاق مع المجتمع على طول الخط, حالة خصام يحتدم ويتجدد باستمرار, فانا تواق الى اعادة بناء المجتمع ليس بالصورة التي اريدها بل بالصورة التي يحلم بها المجتمع! - وفي ذات الوقت, نجد في اعمال اخرى لك معايشة لمايجري في الواقع؟ ــ هناك اشياء قد لاتكون حدثت في حياتي ولكني اعايشها مثل رواية ثلاثية (الامالي) باجزائها (اولنا ولد) (ثانينا الكومي) و (ثالثنا الورق) فقد عايشتها منذ بدايتها حتى نهايتها, وان كانت واردة من الخارج, فاذا لم تلتحم بتجربتي ويكون هناك عناصر مشتركة بيني وبينها لا استطيع ان اكتبها! - هل يتفسر اخلاصك لتجربتك الخاصة, الى تفضيلك في غالبية اعمالك الحكي بضمير المتكلم؟ ـ من المهم اثناء الحكي عندي خاصة كمتخصص في الحكي بضمير المتكلم المحبب الى ان ادخل في الشخصية فكيف امتلك صوت الشخصية مثلما فعلت مع عم احمد الصعيدي في ثلاثية (الامالي) كيف استعرت صوت عم احمد, كي احكي به ثلاثية (الامالي) فتكون مهمتك كيف تمسك بالصوت, وتظل مهتمك ــ طوال الرواية ــ ان تحافظ على (التون) للصوت الذي يحكي بحيث لايعلو حيث لاينبغي ان يعلو, ولاينخفض حيث لاينبغي ان ينخفض.. اذا ضاع منك الصوت ضاعت الرواية! هذا بطبيعة الحال غير من يحكي بأسلوب الراوي الذي يعرف كل شيء, اي صوت الكاتب الذي امقته لانه يفتقد المصداقية وهو مايهدم العمل! - يلاحظ ايضا ــ في كثير من اعمالك ـ ان الحكي يكون من خلال عين طفل صغير؟ ــ طبعا لهذا سبب داخلي, وذلك لكثرة ماعشت من تجارب وانا طفل فهذه العوالم التي تطل عليها هذه القصص بهرتني طفلا, فحتى اراها بنفس الحيوية, التي كانت بها, كان لابد ان استعيدها بعين طفل! من ناحية اخرى عندما بدأت افعل هذا, بدأت اكتشف الى اي مدى يوفر الاسلوب قدرا من البراءة في الحكي, دون فزلكة او فلسفة, هذا طفل يصف بصفاء العالم الذي رآه! حوار ـ حسين عيد