نحن متفقون جميعا على ان فن الكاريكاتير هو أكثر الفنون تأثيرا في زماننا هذا, أو لعلنا نكون متفقين, فالسائد هو اننا لا نتفق على شيء . وفي السنوات الأخيرة من حياة صلاح جاهين كان قد وصل الى مرتبة رفيعة في فن الكاريكاتير, وكان حزب الأغلبية الصامتة يفتح صحيفته اليومية على رسوم جاهين ليشاركه السخرية من السلبيات, وكنا نحن الذين نعتقد اننا لسنا من الاغلبية الصامتة, كنا نبحث عن كاريكاتير جاهين كي نعرض اتجاهات السلطة, فلقد كنا على يقين من ان رسوم جاهين لابد ان تمر على الاستاذ هيكل رئيس التحرير, وكان الاستاذ هيكل أقرب الصحافيين الى الرئيس جمال عبدالناصر. وفي السنوات الأخيرة ايضا من حياة صلاح جاهين وصل الى القمة في شعر العامية, ولا أظن ان أحدا ممن يرهقون انفسهم في قراءة هذه الاستراحة يجهل مكانة صلاح جاهين في شعر العامية خاصة بعد ان أبدع رباعيات الشهرة, وقبلها كان صلاح جاهين رساما يكتب الشعر, وبعدها صار شاعرا يرسم, ولا شك ان صلاح جاهين يعتبر أحد أعمدة شعر العامية بعد ابن عروس وبيرم التونسي ومع فؤاد حداد. وذات مرة سألت صلاح جاهين سؤالا كان على ألسنة الكثيرين, وهو: ماذا يتخيل انه سيبقى منه بعد عمر طويل, وللأسف لم يكن عمره طويلا. ولا شك انك تتخيل سخرية صلاح من السؤال, حتى لو لم تكن تعرفه شخصيا. وتحدثنا طويلا عن اختيار التاريخ العشوائي, وان كثيرا ممن بقيت أعمالهم كان يجب ان ينسوا, وان كثيرا من العباقرة تجاهلهم التاريخ. وفي حديثنا هذا أذكر ان صلاح جاهين سخر من فن الكاريكاتير وقال انه مثل الخبز اليومي.. هام جدا ولكنه لا يدوم! وحتى لو أخذنا برأي صلاح جاهين من ان الكاريكاتير لا يدوم وانه يتلاشى مع الزمن, فإننا لا نستطيع ان ننكر تأثيره الثاني, ولست في حاجة الى ان أذكركم بقلق كثير من المسؤولين من فن الكاريكاتير, ولست في حاجة لأن أذكركم بأن ناجي العلي قتل بسبب رسومه. ولذلك اهتممت اهتماما شديدا برسمين, وأنا في بداية رحلتي الى شرق آسيا, كان الأول في مجلة (التايم) العتيدة, ويمثل امرأة يابانية مربوطة جيدا الى قضبان سكة حديدية وقد أصابها الذعر الشديد لاقتراب قطار منها أصبح على بعد أصبع.. وتعليق الرسم يقول في أكبر حروف: هل يستطيع أي أحد انقاذ اليابان؟! والاشارة واضحة الى الأزمة الاقتصادية التي تمر بها اليابان, والتي تلت سلسلة أزمات مرت بالنمور الآسيوية, التي اتضح انها مجرد قطط آسيوية. والنمر أصله قط كما نعرف. وعلى أي حال رأيت فعلا القط الآسيوي في حديقة حيوانات سنغافورة, وكان القط يقف وسط الماء يبحث عن سمكة يصطادها, واذا عرفنا ان القطط تكره الماء والاستحمام أدركنا كم يعاني القط الآسيوي من أجل اصطياد السمكة! الرسم الثاني مرتبط في المغزى بالرسم الأول, وكان في مجلة (نيوزويك) وهي ايضا مجلة أمريكية عتيدة تنافس أختها (التايم) في المكانة.. وفي كل شيء! والرسم يمثل شخصا بالتأكيد هو رمز لأمريكا, يلح بالسؤال على شخص يرتدي ملابس رجل من شرق آسيا ويقول له: اذكر لي شيئا واحدا في التكنولوجيا لا أستطيع ان أصنعه من أجلك؟! ويضيق الآسيوي بالأمريكي فيقول له: أتركني لشأني! ويصدم الامريكي ويقول للآسيوي متعجبا: فعلا.. هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يخطر على بالي! وفي هذين الرسمين وغيرهما مفتاح الرأي فيما حدث من أزمات شرق آسيا, لقد بدأت التجربة اليابانية منذ وقت مبكر, ولم يتصور أحد ان يقلدها أحد فيها, فلقد كان في ظن الجميع ان اليابان التي هزمت بشراسة في الحرب العالمية الثانية (39 ــ 45) وألقيت عليها قنبلتان ذريتان دونما داع حقيقي.. لا يمكن ان تسكت عن هزيمتها حسب طبيعة الفكر السائد فيها. وفسر البعض التقدم الياباني المذهل, بأنها تريد هزيمة الولايات المتحدة والغرب في ميدان آخر هو ميدان الاقتصاد, ولأن الحرب الاقتصادية طويلة المدى, فلقد بدا ان اليابان تتقدم في كل يوم خطوة. ولكن الجيران اشتهوا الاطباق الموجودة على مائدة اليابان وحسبوا الحسبة فوجدوا انها ممكنة.. قوانين تشجع على الاستثمار.. ورأس المال يبحث عن حرية الحركة ورخص الايدي العاملة وقلة الضرائب والسوق المجاور. ودخلت دول شرق آسيا اللعبة وانتشت بالنجاح, فلقد ارتفعت معدلات النمو الى السماء. ولم ينتبه أحد الى ان هذا النمو غير طبيعي, فلابد أولا من تنظيم البيت وبناء الانسان, ولابد من الانتباه الى ان هناك قوة عظمى تسيطر على العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي, وتضايقها أشد الضيق قوة ألمانيا الاقتصادية, وتمرد فرنسا الثقافي, فهي لا تريد السيطرة على العالم اقتصاديا فقط, بل تريده ان يأكل وان يشرب وأن ينام على الطريقة الأمريكية. وأثناء شهر العسل مع دول شرق آسيا كان الغزو الامريكي للحياة الآسيوية أسرع من حركات الطائرات التي نشطت. وفي رأيي ان هذه هي المعركة الأساسية, فالمنطقة لا تخلو من ثقافة قديمة لها مكانتها. هذه الثقافة الجزء الأكبر منها ينتمي الى الصين التي تعمل بهدوء لا شك انه يرعب أمريكا. والثقافة الصينية هي السمة الأساسية في شرق آسيا بدءا من الطعام الى الملابس الى الفن الى الاحلام, فحتى هذا الصيني المعادي للنظام الشيوعي والهارب منه الى أحد بلاد شرق آسيا, لابد انه يعتبر الصين الوطن الأم, وينتمي اليه حتى ولو كان كارها نظامها أو متوقعا ان ينتهي هذا النظام ذات يوم. وأظن ان الصين ترى في شرق آسيا المجال الحيوي (الجيوبولتيكي) الذي تتحرك فيه, والذي من الممكن ان يحول المنطقة الى امبراطورية صينية. والولايات المتحدة لا يخفى عليها هذا. وفي احدى المجلتين (التايم) أو (نيوزويك) , فالذاكرة تعتمد احيانا مجموعة رسائل من القراء تنبه الى ان الصين التي بدأت بالتهام هونج كونج لن تتوقف. بعدها ستلتهم تايوان.. ثم تتوالى القصة. وربما كانت الصين تعتمد على ان القضية القومية وقضية الارض في هذه المنطقة ليسا لهما نفس القوة في بعض بلاد العالم, ونحن نعرف مدى الانقسامات والتجمعات, أما لدوافع السيطرة أو الرغبة في النمو الاقتصادي. وتجربة سنغافورة واضحة, فلقد كانت جزءا من ماليزيا الى عام 1965 وانفصلت, وأصبحت هذا العام أفضل بلد اقتصاديا في آسيا.. ودوام الحال من المحال. ولكن سنغافورة شربت النموذج الامريكي وأكلته وتمرغت فيه, وبالتالي لابد ان أمريكا راضية عنه. ولكن لكل عملة وجهان, ففي الآونة الأخيرة بدأت نغمة انسلاخ كامل من سنغافورة عن الدولة الأم. وقال ساستها: كيف نرى اننا دولة مستقلة ونحن نستورد ماء الشرب من ماليزيا؟.. يجب ان نستغنى تماما عن ماليزيا حتى نحقق الاستقلال. وثارت ماليزيا وقالت: اننا الدولة الأم ونحن اذا كنا وافقنا على استقلال سنغافورة, فلقد تخلينا عن جوهرة التاج. وهكذا نرى تحت الرماد وميض نار قد تشتعل في أي وقت. وفي وسط هذا الصراع الدامي لا يعرف أحد ماذا يحدث غدا. ولقد لاحظت مدى (الاصطناع) في تكوين سنغافورة, ولكن النمو الاقتصادي واضح جدا.. انها دولة تحاول صنع تاريخ لها بعيدا عن الدولة الأم, ومتحفها القومي وهو من أجمل المتاحف يتحدث عن تاريخها خلال هذا القرن وربما القرن الماضي. ولا تذكر ماليزيا الا للضرورة القصوى. ولقد أدهشني ان ماليزيا نفسها وهي دولة أم في المنطقة ليست لها ثقافة كبيرة عميقة مثل الصين مثلا أو الهند. وهي الدولة الثانية في تأثيرها الثقافي على المنطقة. وبالقنبلة النووية الهندية عاد الحديث الى دور تلعبه الهند في المنطقة. اما متمثلا في اقامة امبراطورية هندية, أو وقف التقدم الصيني. اما البلد الذي تميزه ثقافة عميقة (غير الصين والهند طبعا) فهو اندونيسيا لكن اندونيسيا اشبه بالدولة العثمانية في اوائل هذا القرن عندما أسموها رجل اوروبا المريض. ان اندونيسيا هي رجل آسيا المريض. لقد كانت مستعمرة هولندية. وهولندا من أسوأ الدول الاستعمارية وخرجت بالحلم القومي زمن الاستقلال الوطني والحياد الايجابي. ودفعت من اقتصادها وتقدمها الثمن لذلك. ثم قفز سوهارتو الى السلطة وازاح احمد سوكارنو. وعاشت اندونيسيا فسادا لا نظير له من الستينات حتى هذا العام. ولذلك فهي بلد لا يمتلك قدمين يقف عليهما. لكنه يمتلك ثقافة عريقة, ويمتلك شعبا تعداده 202 مليون. وهو رقم يمثل عبئا على البلاد, ولكنه يخيف اذا اعتدلت امور اندونيسيا. وهناك كانت أكثر العروض الفنية التي شاهدتها, وهي عروض متوارثة من مئات السنين. تعتمد في غالب الامر على قصص هندية. وتستخدم الاقنعة. ونحن نعرف ان الشعوب في بدايتها اقامت عروضا بالرقص والغناء تمثل انماط الملك والطيب والشرير والجميلة وغير ذلك. وكان القناع هو ايسر الاساليب للتعبير عن الفكرة. ومثل هذه العروض لا تعتمد على الحوار الا في اضيق الحدود. وربما لم تجد فيها كلمة احيانا. بل ربما لم تعتمد على الآلات الموسيقية. فلقد شاهدت عرضا في جزيرة (بالي) يؤدي فيه نحو ثلاثين شابا اصواتا هي بديل للموسيقى. ومن ابدع هذه العروض عمل تشتعل فيه النيران, وتقوم رقصة على النيران, ويصرخ السائحون الاوروبيون من الانبهار. وتسري حالة من الهيستيريا في المكان, والراقصون حفاة الاقدام, فكل من يمثل على المسرح لايرتدي شيئا في قدميه, يرقصون على النار المشتعلة, وانت لا تدري هل لا يحسون بالنار لانهم في حالة هستيرية او لانهم مدربون على ذلك. أو ان ذلك نتيجة تدريب عقلي مثل اليوجا أو غير ذل؟ المهم انت ترى الراقصين الحفاة فوق النيران ويصيبك الجنون في الغالب. على الاقل تصيبك الدهشة وتتساءل عما ترى. فيجيبك حكيم ألسنا جميعا نرقص على النيران. والمروض الامريكي يمسك بالسوط يلوح به في الهواء ونتبع اشارات السوط فنتلوى يمينا أو يسارا. وبالطبع ليس لدينا وقت نفكر فيه في النجاة فالنار تلسع اقدامنا. ولكن بعضنا يحلم بان تأتي تلك الدولة أو هذه لتنوب عنا في انقاذنا من الرقص على النار. وفي نهايات هذه الرحلة الآسيوية حيث اجلس في فندق في بانكوك اكتب هذه السطور اتذكر ما قاله نابليون بونابرت عن الصين: هذا مارد نائم, احذروا ان توقظوه!... يا أهل الخير أيقظوه!