كثيرة هي المقابلات التي اجريت مع الشاعر العراقي سامي مهدي وكتبت الكثير من الدراسات عن شعره, ولكنه لم يتحدث في اية مقابلة عن دراساته الادبية, اذا اصدر عدة دراسات اثارت الكثير من الاختلاف والنقاش , ومنها دراسة عن مجلة (شعر) اللبنانية, واخرى عن شعر الستينات في العراق, وثالثة عن المجلات الثقافية الريادية في العراق. عن هذه الدراسات نتحدث مع سامي مهدي في هذه المقابلة: ترى هل يريد بها تعزيز تجربته الشعرية, وهل يريد بها الانتساب الى الشعراء النقاد؟ ويقول: ليس لدراساتي الادبية علاقة مباشرة بتجربتي الشعرية, فهي شيء والشعر شيء آخر, وهي تتوخى الموضوعية فيما تتناوله من موضوعات وظواهر, ولكن شأني فيها شأن كل دارس ينطلق من زاوية نظر خاصة, ويفصح بقدر او بآخر, عن آراء خاصة, وهذه الآراء ليست بعيدة حتما عن تجربتي الشعرية. اريد ان اقول: اني لا ابغي من هذه الدراسات تعزيز تجربتي الشعرية من خارجها, ولا الدفاع عنها بوسيلة غير شعرية, كما فعل ادونيس وفعلت نازك الملائكة مثلا, ولكنها نشاط أدبي مواز لها, اجد فيه متعة خاصة هي متعة البحث والدراسة والاكتشاف, وتجاوز الانطباع الى الرأي الناضج المدروس, والمرتكز الى حيثيات مدروسة. لهذا لا أعد نفسي من أولئك الذين يطلق عليهم وصف (الشعراء والنقاد) . هواية واحتراف لعلك تريد بهذه الدراسات امتلاك صفات الدارس المحترف؟ ليس عندي مشروع محدد ومتكامل للموضوعات والظواهر التي ادرسها, بل هناك رؤى وانطباعات وافكار حول موضوعات وظواهر أجد بعضها قابلا للدرس من قبلي, وعندي المزاج او الرغبة والظرف المناسب لدراسته, فأدرسه. ويحدث احيانا انني اشتغل على موضوع محدد, ينبثق, من خلال اشتغالي عليه ورجوعي الى مصادره ومراجعة موضوع آخر متفرع منه, او مختلف عنه او مكمل له, فاعود اليه لأدرسه بعد انجاز الموضوع الأول. وهذا يعني انني لست (دارسا محترفا) صاحب مشروع دراسي, يخطط له, وينجزه على مراحل, ويسعى الى اكماله, بل (دارس هاو) تلعب المصادفة والرغبة والظرف دورا كبيرا في اختيار الموضوعات التي يدرسها. فيرى ان (الهواية) في اختيار الموضوع لا تعني (الهواية) في, فللدرس كما تعلم, شأن آخر للدرس قواعده وأصوله ومنهجيته, وهي أمور احرص عليها في كل دراسة اكتبها, وكل كتاب أؤلفه. وهل تهتم بالاختلاف مع الآخرين ؟ لا أدرس في العادة موضوعات درسها غيري, إلا نادرا, وان فعلت فانني انظر الى الموضوع من زاوية جديدة, أساسها (الاختلاف) وليس (الانسجام) في الأقل, وغالبا ما اتصدى لموضوعات نشأت حولها (أوهام) و(اشاعات) و(التباسات) تكرست في (مؤلفات) واصبحت تعامل وكأنها (حقائق ثابتة) فأحاول اعادة فحص هذه (الحقائق) المزعومة, واكشف عما نسج حولها من تلك الاوهام والاشاعات والالتباسات. خذ مثلا كتابا جديدا اوشك ان انجزه عن الشاعر الفرنسي (أرتور رامبو) بعنوان (رامبو: الحقيقة والاسطورة) . هذا الكتاب قراءة مغايرة لسيرة رامبو وشعره وتفوهاته النظرية, وهي قراءة لم يقدم كاتب عربي عليها, لان الجميع استسلموا لما اشيع عن رامبو, حتى اننا لم نعد نعرف عنه سوى (اسطورته) صحيح ان هناك اشارة, او اشارتين الى النسيج الاسطوري الذي احيط به رامبو, ولكن ليست هناك دراسة جدية شاملة ومتعمقة في هذا الموضوع, حتى لاكاد أقول: ان احدا لم يجرؤ على اقتراف هذا (الإثم) . حتى في الفرنسية لا تجد في كل ما كتب عن رامبو, وهو عزير جدا, سوى اشارات خجوله الى بعض الزخارف الاسطورية التي احيطت بها شخصيته, وفيما عدا دراسة (رونيه إتيامبل) في كتابه (اسطورة رامبو) لا تجد في الفرنسية, او في اية لغة اخرى على قدر علمي, اية دراسة جدية ذهبت هذا المذهب. ولكنني اسارع فأقول ان كتابي مختلف حتى عن كتاب (إتيامبل) , وان كان هذا الكتاب احد المراجع التي رجعت اليها. ظاهرة واعتبارات ونضع امام سامي مهدي ملاحظتين: الاولى ان بعض دراساته الادبية تتحدث عن دوره في اتجاهات وظواهر معينة, وانه في الملاحظة الثانية يعطي أهمية للاعتبارات السياسية في دراسة الظواهر الأدبية. ويقول عن الاولى: فيما عدا الظاهرة الستينية التي درستها في كتابي (الموجة الصاخبة شعر الستينات في العراق) لا يوجد لي أي دور شخصي في الظواهر التي ادرسها, وعلى الرغم من انني عددت هذا الكتاب مجرد (شهادة شخصية) على ظاهرة ازعم انني كنت احد اقطابها, ووصفت كتابي في المقدمة بانه (مزيج من الذكريات والانطباعات والدراسة والنقد) على الرغم من ذلك توخيت الموضوعية في تأليفه, وبقدر ما يتعلق الأمر بدوري اكتفيت فيه بذكر (الوقائع) وتجنبت اعطاء (احكام قيمة) عليه. ويقول عن الثانية: ربما كان من الافضل هنا استخدام تعبير (الاعتبارات الايديولوجية) وليس (الاعتبارات السياسية) . وفي اية حال اقول انني لم أراع الاعتبارات الايديولوجية الا في كتاب واحد هو (أفق الحداثة وحداثة النمط) , وقد راعيتها في فصل واحد من فصول الكتاب الثلاثة, واعني الفصل المتعلق ب (مجلة شعر) اللبنانية وتأريخها وازمتها التي أدت الى غلقها, وقد كان من الطبيعي ان اراعي هذه الاعتبارات, فأنت لاتتناول هنا (مشروعا أدبيا) خالصا, بل تتناول (مؤسسة) ذات (مشروع ثقافي) واصحاب هذه المؤسسة ومشروعها (نفر مؤدلج) ان لم تكن (الايديولوجيا) داخلة في صميم مشروعهم, فهي موجودة في خلفياته على الاقل. قناعة ثابتة ونتواصل مع سامي مهدي بالاسئلة: هل تريد من دراساتك الادبية تقديم نموذج في دراسة الظواهر الأدبية؟ ويجيب: لا, لست أريد تقديم اي نموذج في دراسة الظواهر الأدبية, واظن اني لا اشكل امتدادا لاي نموذج آخر. كل ما هنالك اني احب ان اعيد فحص بعض الظواهر التي شاعت حولها (أوهام) تطمس حقيقتها, واقدم فيها وجهة نظر مغايرة بطريقة منهجية, وربما وقع المنهج الذي اتبعه في الدراسة بين المنهجين الديكارتي والتفكيكي. هل تود اعادة النظر بهذه الدراسات على ضوء ما كتب عنها؟ نعم. لقد كتب الكثير عن دراساتي, وبعض ما كتب متفق معي بدرجة او باخرى, وبعضه مخالف لي بقدر او بآخر, ولكنني لم اجد فيما كتب الا ما يعزز ما ذهبت اليه, ويزيد قناعتي به, ولو اتيح لي ان اعيد نشر هذه الدراسات لما تراجعت عما قدمته من آراء وأفكار, بل لعززتها بحجج وتفاصيل اخرى. وهذا ما حدث حيث عرض علي اعادة طبع كتابي (افق الحداثة وحداثة النمط) , فحين راجعت الكتاب بعد عدة سنوات من صدوره, وجدت ان ما تجمع لدي من مصادر ووثائق جديدة يعزز ما ذهبت اليه فيه, ولان انجاز هذا الامر يتطلب قدرا من التفرغ, ولانني منهمك اصلا في تأليف كتب اخرى, اثرت التأجيل. ولكن الحقائق يمكن ان تتعرض الى وجهات نظر مختلفة بمرور الزمن؟ ولكنني لم اجد ما يستوجب ذلك, كما انني في الواقع لم اتوخ هدفا معينا في جميع ما قدمت من دراسات, حتى بالنسبة للجيل الذي انتمي اليه, بل حاولت, في كل ما كتبت, نفي اوهام واشاعات والتباسات وكشف حقائق لم ينظر اليها إلا من زوايا ضيقة او منحازة بواقع او بآخر, ولسبب او لآخر, حسن لنقل: انني أردت تقديم الوجه الآخر للحقيقة, وذلك يمنحني احساسا عاليا بالمتعة. والحقيقة تتطلب الارتفاع فوق المزاجي والآني والعابر, وذلك ما حاولت تحقيقه, وآمل ان اكون موفقا. سامي مهدي صدر للشاعر سامي مهدي المجموعات الشعرية التالية: رماد الفجيعة اسفار الملك العاشق اسفار جديدة الاسئلة الزوال اسئلة الزوال حنجرة طرية مراثي الالف السابع وترجم عن الفرنسية مايلي: جاك بريفير (قصائد مختارة) هنري ميشو (مختارات)