في ضواحي هوجو, البلدة الصغيرة الواقعة في الجزء الجنوبي من ولاية أوكلاهوما الامريكية, تقع مقبرة صغيرة محاطة بالغابات من كل جانب, حيث يبدو للوهلة الأولى انها مقبرة عادية فالمساحات الخضراء والزهور تلقى رعاية فائقة كغيرها من المقابر المنتشرة في ارجاء الولايات المتحدة . مسافة بعيدة انها تختلف عن غيرها من المقابر, حيث تزخر بخيم السيرك الرخامية الصغيرة, الفيلة المنحوتة, المهرجين والبهلوانيين وجميعها منحوتة من الحجر, والسبب في ذلك هو ان هذه المقبرة تحوي رفات نخبة السيرك الامريكي الذين اختاروا هذا المكان ليكون مثواهم الأخير. وتحمل بلدة هوجو كنيتها كمدينة السيرك الامريكية عن استحقاق, فمنذ أوائل الاربعينات من هذا القرن, جعلها العاملون في السيرك الامريكي مقرا شتويا لهم. وفي مكان ليس بعيدا عن مركز البلدة, لا تزال توجد قاعات فسيحة واقفاص واسطبلات مناسبة لقضاء أشهر الشتاء بالنسبة للعاملين في السيرك, وهناك أيضا محطة للسكك الحديدية في البلدة تتيح لهم الوصول الى عصب السكك الحديدية الرئيسي في البلاد. وعندما كان السيرك في ايام مجده, كانت تقضي موسم الشتاء في هوجو على الاقل خمس مؤسسات رائدة في مجال السيرك كل عام, وحتى يومنا هذا لا تزال هناك مؤسستان تقضيان فترة الشتاء في البلدة وهما سيرك كارسون وبارنز وسيرك الاخوة كيلي وميلر. ويقول ديفيد دولز, صاحب سيرك الاخوة كيلي وميلر ان الوضع صعب اليوم بالنسبة للعاملين في مجال السيرك, حيث يتعين عليهم التنافس مع التلفزيون والعاب الفيديو في زمن أصبح من الصعب جدا ابهار الناس وجلب اهتمامهم. وبالفعل فان ظهور التلفزيون كوسيلة اعلامية في أعوام الخمسينات أدى الى الاختفاء التدريجي للسيرك في الولايات المتحدة, حيث استطاعت قلة فقط من شركات السيرك الصمود حتى الوقت الحاضر, وذلك اما بفضل حجمها أو لأنها تخصصت في لون معين من ألوان السيرك. ويعيش العاملون في السيرك حياة متنقلة, فهم في الغالب متحدرون من عائلات امتهنت السيرك وجاءت من اوروبا, آسيا أو امريكا الجنوبية, اي يمكن ان تطلق عليهم لقب متشردين. اذن لا عجب ان اكتسبت هذه المقبرة أهمية عاطفية كبيرة لدى جميع العاملين في مجال السيرك حتى وان لم تسنح لهم في حياتهم فرصة قضاء الشتاء في هوجو, فانهم يصرون على ان يدفنوا في هذه المقبرة. وفي الوقت الراهن, اصبحت المقبرة بالنسبة لأهالي بلدة هوجو البالغ عدد سكانها 7500 نسمة معلما سياحيا بارزا, حيث يقصدها السياح من مختلف أرجاء الولايات المتحدة والعالم بأعداد كبيرة سنويا. وتمتاز المقبرة بأعمال النحت على القبور التي تصور حيوانات السيرك والخيم والتي تعكس طبيعة عمل الاشخاص المدفونين في هذا المكان, حيث تضم هذه المقبرة قبورا لمدربين ومهرجين و فنانين وموسيقيين من عالم السيرك, بل ان احد القبور يعود لطفل صغير توفي في عمر يومين. وبرغم هذه المآسي الحزينة التي تعكسها هذه القبور, الا أن المقبرة هذه تعتبر مكانا مميزا, حيث يمتزج الحزن والأسى بجمال وروعة أعمال النحت التي تعيد الى الذاكرة امجاد السيرك الامريكي الغابرة. ويفاخر أهالي بلدة هوجو بالقول ان هذه المقبرة هي الأسعد في العالم, فاذا ما اصغت السمع جيدا, تصلك أصوات عزف فرق السيرك وكأنها لا تزال بيننا ولم تفارق هذه الحياة.