التأليف في علوم القرآن متشعب ومتعدد الجوانب, وفي كل جانب منها ألفت المؤلفات الكثيرة, فالبعض ألف في اسباب النزول وغيره في التفسير, او في القراءات, او الاحرف السبعة, او الوقف والابتداء, او الناسخ والمنسوخ, او في التجويد والتلاوة والاداء, او الاعجاز, او عدد الآيات والسور, او الرسم والضبط, وغيرها كثير , وفي كل جانب منها اتجه المؤلفون في تآليفهم في طرق متعددة وأساليب مختلفة في سبيل توضيح المطلوب خدمة لكتاب الله عز وجل, وتقربا اليه, فالعلماء وجدوا ان اقرب الطرق الى الله هو سبيل العلم, وان خدمة كتاب الله عز وجل أعلاها منزلة, ولذا فقد عمل طلاب العلم منذ صغرهم على حفظ كتاب الله وحسن ادائه وتجويده, ثم درسوا كل ما يحيط بعلوم القرآن, ومن هذا المنطلق فقد نشأ التخصص بعلوم الحديث واللغة والسيرة, والتاريخ وغيرها من العلوم خدمة لكتاب الله عز وجل, لأن هذه العلوم هي رافد كبير لتفسير القرآن وعلومه. من هذه الكتب الهامة كتاب (الحجة للقراء السبعة) الذي ألفه عالم كبير لغوي واسع الاطلاع في العلوم, متخصص باللغة وعلوم العربية, متقن لعلوم القرآن هو الحجة ابو علي الفارسي. والغاية من الكتاب هو بيان الاحتجاج للقراءات وتوثيقها وتوجيهها واعطاء الدليل لقراءة كل قارئ من القراء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد, واختيار ابن مجاهد للقراء السبعة واعتمادهم بالصحة والتواتر لا يرتبط العدد السبعة, بالقراء السبعة, وانما اختارهم ابن مجاهد من بين القراء لوجود الصحة في السند والتواتر, وان ذلك مما وجد في مصحف الامام سيدنا عثمان بن عفان, وعليه فقد اختار في كتابه (السبعة) هؤلاء القراء, فأراد ابو علي الفارسي ان يعطي الادلة والحجج لكل قراءة من هذه القراءات اما بالاستناد الى قاعدة مشهورة في اللغة, او لاستدلال لغوي من الشعر أو الحديث النبوي والامثال العربية, كل ذلك مما يصح الاستدلال به حسب اصول اللغويين والعلماء. وطريقته في ذلك طريقة المتن والشرح, فهو يورد اولا نص ابن مجاهد في اختلاف القراء في كل حرف من الحروف, مصدقا باسم القارئ, ثم يعقبه بالشروح, وتتميز طريقته كطريقة العلماء الآخرين من اللغويين والادباء بالاستطراد بعيدا عن اصل الموضوع المطروق, فهو ينطلق من الموضوع المطروق من الاحتجاج الى تفسير الآية فيغوص في معانيها, او يتناول الكلمة وما يتفرع عنها من معان ودلالات مبينا الشواهد الاعرابية والعلل الصرفية مع الشواهد والادلة, هذا ان دل على شيء فانما يدل على سعة الاطلاع والعلم الغزير الذي كان يختص به ابو علي الفارسي. اما مؤلف الكتاب فهو أبوعلي الحسن بن عبدالغفار الفارسي ولد سنة 288 في فارس في مدينة بسا, ونشأ فيها وأخذ عن علمائها, ثم رحل إلى بغداد طلبا للعلم وكان عمره تسع عشرة سنة, ورحل إلى بلاد الشام واجتمع بابن خالديه والسيرافي, في بغداد اخذ عن ابي اسحاق الزجاج وابن السراج وابن الخياط وابن دريد, والاخفش, وروى القراءة عرضا عن ابن مجاهد. اخذ عن ابي علي كثيرون من الطلبة من اشهرهم ابوعثمان بن جني, والشيرازي وعلي الربعي, وابي الحسن الزعفراني وغيرهم. كان أبوعلي الفارسي شيخ العربية في عصره بلا منازع, وكان أوحد عصره في علوم العربية, وكان من نحاة البصرة, وهو خليفة سيبويه في رئاسة المدرسة البصرية ومؤلفاته زادت على الثلاثين كتابا من اهمها: كتاب الحجة, والتذكرة, والمسائل البغدادية, والايضاح, وابيات المعاني, والمسائل المنثورة والمسائل المشكلة, وجواهر النحو, والمقصور والمحدود, ومختصر عوامل الاعراب. توفى أبوعلي في ربيع في سنة 377 ببغداد. من كتاب الحجة للقراء السبعة نسختان مخطوطتان احداهما بالاسكندرية بالبلدية, والثانية في مكتبة مراد ملا باستنبول, وقد اعتمد عليهما المحققان الاستاذان بدر الدين قهوجي وبشير جو يجاتي في اخراج الكتاب اخراجا علميا فجزاهما الله خيرا, وطبع بدار المأمون بدمشق 1404هـ / 1984م.