اكثر من نصف مليون سائح من العالم ومن اوروبا تحديدا يتركون بلدانهم في مثل هذه الايام ويتجهون الى جنيف ليعيشوا فيها بضعة ايام هي اجمل ايام السنة في هذه المدينة الجميلة وفي ذاكرة هؤلاء السياح, انها ايام الكرنفال, وشهرة كرنفال جنيف تأتي في المرتبة الثانية بعد كرنفال ريو دي جانيرو يمتاز كرنفال جنيف على انه الاقرب, فهو في قلب اوروبا, وهو في بلد اشتهر بانه الاكثر امانا في هذا العالم. كرنفال اغسطس 1990 تميز بأنه اكثر اثارة وتنوعا عن السنوات السابقة الا انه عند السياح العرب وتحديدا الخليجيين منهم كان باهتا, كئيبا, ففي الليلة الاولى التي انطلقت فيها الالعاب النارية لتضيء سماء البحيرة بألوان وتشكيلات جذابة كنت تسمع صراخ وعويل النساء والاطفال, وعبارات: الله يحفظ الكويت, الله يردها, وسيلا من الشتائم لصدام وجيشه, ورغم ان اصوات الكرنفال كانت عالية, الا ان صراخ نساء واطفال الكويت كان مرتفعا تستطيع ان تميزه. يوميا تشاهد مجموعة من الاسر الخليجية تجتمع على مقهى البحيرة, وتسمع عندهم كل يوم موضوعا وحيدا هو الغزو. ذات مرة كنا نجلس في احدى الحدائق الضخمة التي تجاور البحيرة, وعلى بعد خطوات منا, كان يجلس عجوز سويسري لارفيق معه سوى كلب صغير, اقترب منا الكلب, فاذا بالعجوز يتبع صاحبه ويجلس على الكرسي المجاور لنا, تعودنا من الاوروبي تحديدا انه لايحب الكلام والتعارف مثلنا نحن العرب, لهذا التزمنا الصمت امام الجار وحركات كلبه, وانشغلنا بالحديث, وورد اسم العراق في كلامنا, فإذا بالعجوز الصامت ينطق فجأة ويدخل معنا في حديث الغزو, بادرنا: انتم عرب, اهلا بكم, من اين؟ وبدأ يتحدث وكأنه يعرفنا منذ زمن, وانه يبحث عن جليس يحادثه عن هذا الهم, قال: عشت فترة طويلة في الخليج, واحب العرب كثيرا, لكنني صدمت من خبر الغزو, استرسل العجوز يتحدث عن حال العرب وكأنه واحد منهم, لو اجتمعوا, لو صفت قلوبهم, لو تعاونوا, لو..لو ومر الوقت دون ان نشعر به مع حديث العجوز وذكرياته العربية. احتفظ من حديثه الطويل بعبارة قالها قبل ان يصافحنا بحرارة مغادرا المجلس الذي جمعنا, قال: لابد ان يعرف العرب انه لن تنفعهم اوروبا ولا امريكا, وان العالم المحتشد في خليجكم الان جاء من اجل النفط والثروة التي عندكم, لابد ان يتصالح العرب, وان ينسحب صدام من الكويت, وردد بعربية ركيكة (الله يستر) . في كرنفال جنيف لاينجذب العربي كثيرا لعروض السيارات القديمة أو الازياء الشعبية او مجموعات الزهور الملونة أو الطبخ, يشده أكثر مهرجان العاب الجمهور والموسيقى الصاخبة, تجد الاوروبي في هذه الليلة الأخيرة من ليالي الكرنفال يحمل لعبة عبارة عن مسدسد مائي أو صفارة صغيرة او رشاشا لونيا خفيفا, يضع بعض الاصباغ أو قناعا على وجهه, ويحمل عصا مطاطية, ويبدأ مغامراته ضاحكا برش الماء او الالوان الطيارة على من يقابلهم في الكرنفال, يداعب الاخرين ويتحمل المداعبات منهم شريطة ان تكون في الحدود التي بادرهم بها. السياح العرب تحديدا الشباب منهم تجدهم اسعد الناس بهذه الليلة وهم ايضا اسوأ ما في هذه الليلة عند الاخرين. روح المرح سرعان ما تنقلب الى صراخ وضرابة بين العرب انفسهم أو بينهم وبين الاجانب, فالسائح العربي عنيف حتى في العابه وفي مثل هذه المناسبات الاحتفالية, فالمسدس المائي اللعبة الذي يحمله الاوروبي يقابله (سلندرات) مضغوطة ومضخات مائية ضخمة عند السائح العربي ,وتستغرب كيف جاء بها الى هنا, كذلك مكبرات الصوت التي تذكرك بفرق الاعراس, وابواق وبخاخات الوان غير مسموح بحملها في مثل هذا المكان, وعصي غليظة, وقطرات الماء التي قد تبلل ثيابك تتحول الى سيل يغمر كل جسمك, وتصرفات تجعلك تغلي من الغضب من تصرفات أهلك العرب في كرنفال اللعب والفرح. لكن عندما ينتهي الكرنفال تنسى كل شيء وتبقى مجرد صور وذكريات في الذاكرة. بعد انتهاء كرنفال اغسطس 1990 حزمنا حقائبنا في رحلة اخرى الى باريس, كنا ننوي الاقامة فيها لمدة اسبوعين, الا اننا هربنا منها بعد اسبوع واحد بسبب الخوف من اننا لن نعود الى بلدنا ابدا, فمستجدات اخبار الغزو العراقي للكويت, تقول ان هناك تحذيرا دوليا من امكانية فرض حظر جوي على المنطقة, فالحرب في الخليج قد تقوم في أية لحظة.