أيام في مدينة الأحلام 23/3/98بعد خروجي من الفندق قابلني برد شديد, أسرعت في المشي لكي أحصل على الدفء خصوصا وانني لا ألبس ملابس ثقيلة, وصلت مبكراً إلى كاتدرائية(سانتي كروتشي)قبل هجوم السياح الكثيف. هذه الكاتدرائية هي(بانثيون)فلورنسا الذي دفن فيه مشاهيرها وعظماؤها . في البداية شاهدت قبر الفنان الكبير (مايكل أنجلو) الذي صممه الفنان (فاساري) ويعد من أجمل قبور القرن السادس عشر, بلوحاته الجميلة وبتماثيله الرائعة التي تمثل فنون الرسم والمعمار والنحت. دانتي الابن الأعظم لمدينة فلورنسا والذي طردته, مات في المنفى في مدينة (رافينا) ودفن هنالك ولكنهم شيدوا له نصبا تذكاريا قرب قبر مايكل أنجلو! نيقولا ميكيافيلي صاحب كتاب (الأمير) اشهر كتاب في علم السياسة, قبره بسيط وعليه تمثال لامرأة تمثل الدبلوماسية. الموسيقار العظيم (جيواتشينو روسيني) الذي مازالت أوبراته الشهيرة تقدم في كل المسارح الكبرى في العالم, يرقد في قبر بسيط ومذهب. الرسومات الدينية الرائعة في الكاتدرائية, هي للفنان المجدد (جيوتو) ولتلميذه الموهوب (تاديو جادي) . بجانب كاتدرائية (سانتي كروتشي) توجد كنيسة (بازي) الصغيرة من تصميم (برونليسكي) بجانب متحفها وديرها وتزدحم بالأعمال الفنية الدينية مثل أعمال تيشيمابوي وجادي ودوناتيلو ولوقاديلاروبيا..إلخ. تغديت في مطعم زهرة عباد الشمس ثم عبرت العديد من شوارع وأزقة فلورنسا متجها إلى متحف (الأكاديمية) وهو تابع لأكاديمية الفنون في فلورنسا التي أسست عام 1563 لتعليم الطلبة تقنيات وفنون الرسم والنحت وكانت أول اكاديمية للفنون في أوروبا. في متحف الأكاديمية هنالك مجموعة رائعة من أعمال الفن في القرن الخامس عشر والسادس عشر والتاسع عشر ولكن أكثر زوار ذلك المتحف يزورونه لمشاهدة تمثال (داوود) الشهير للفنان (مايكل انجلو) الذي قال عنه استاذنا الكبير الدكتور (ثروت عكاشة) .. (جاء تمثال داوود لمايكل أنجلو هرمي الطابع, هائل الضخامة, إذ يبلغ ارتفاعه حوالي ستة أمتار, ويصور داوود عملاقا جسورًا يترصد وصول جالوت عدو شعبه.. وهو فتى ربعة لا هو بالرجل المكتمل ولا هو بالصبي اليافع بل هو في سن المراهقة التي يأخذ الجسم فيها بالنمو المضطرد , كفاه وقدماه في ضخامة لا تتناسب مع حجم الذراعين والساقين والفخذين.. وإذا نظرنا إلى رأس التمثال وما ينطوي عليه من ازدراء للمتع الدنيوية تجعلنا نحس بأن ثمة قوة روحية تكمن فيه لم يهتد إلى كنهها الاغريق القدماء) . مشيت من متحف (الأكاديمية) إلى قصر (مديتشي ــ ريكاردي) الذي كان ملكا لعائلة مديتشي لمدة قرن إلى ان اشترته بعد ذلك عائلة (ريكاردي) وأكثر أقسامه الآن تحتلها الدوائر الحكومية. الحجرتان المفتوحتان للجمهور فيهما لوحات رائعة لرحلة (المجوس) التي زاوج فيها الفنان (بينوتزو جوتزولي) بين رحلة ملوك الشرق المجوس الثلاثة إلى بيت لحم وموكب البازيليوس يوحنا باليو لوجوس امبراطور الدولة الرومانية المقدسة الذي جاء إلى مؤتمر فلورنسا عام 1439 للتفاوض حول وحدة الكنيستين الشرقية والغربية وكان ذلك من انجازات أسرة مديتشي الدبلوماسية والسياسية واللوحات فيها الكثير من الزخرفة والتفاصيل للبشر وأزيائهم والحيوانات والتضاريس الطبيعية. في الطابق الأرضي من القصر هنالك معرض فني شاهدت فيه معرضا لأعمال المصور الفوتوغرافي المعروف (روبرت كابا) وأكثر تلك الصور عن نذر الحرب العالمية الثانية والحرب الأهلية الأسبانية بين الجمهوريين والملكيين وبشائع الحرب العالمية الثانية وهنالك صور وثائقية جميلة عن العديد من الشخصيات الفنية والأدبية العالمية مثل هيمنجواي وماتيس وترومان كابوتي, واطرف تلك الصور هي التي يحمل فيها الفنان الشيخ (بيكاسو) المظلة لزوجته الشابة وهو بلباس الشاطئ! مررت مرور الكرام وبسرعة على معلمين فنيين خالدين هما كنيسة (سانتا ماريا نوفيلا) وكنيسة (سان لورينزو) في الكنيسة الأولى اثارت اعجابي الشديد رسومات الفنان (دومينيكو جير لاندا يو) لمولد العذراء ولمولد (يوحنا المعمدان) والتي تتميز بابداع خاص في رسم الأزياء النسائية والحركة الانسانية. أهم معلم فني في كنيسة (سان لورينزو) هو بالطبع اضرحة آل مديتشي في مصلاهم المعروف التي نفذها الفنان الكبير (مايكل انجلو) , تمثالا لورينزو وجوليانو مديتشي ألبسهما مايكل أنجلو الملابس الكلاسيكية الفخمة وأما تماثيل الوقت (الفجر, النهار, الغروب, الليل) فقد جعلها عارية في وضعات بين النوم الحالم واليقظة المدركة. لا أظن ان قبوراً وأضرحة فنية قد خلدت أصحابها مثل هذه القبور والأضرحة التي ابدعها الفنان مايكل أنجلو لآل مديتشي في مصلاهم في هذه الكنيسة الفلورنسية, هذا طبعاً باستثناء القبور الثلاثة الخالدة للسادة خوفو وخفرع ومنقرع! عندما خرجت من مصلى (آل مديتشي) كان الجو ممطرًا واقفرت الشوارع من المارة, فهرولت إلى الفندق والمطر يبللني بقطراته المتسارعة لكي أستعد لرحلة العودة إلى الامارات في الغد.