في فن القصة القصيرة, كما في سائر الفنون الابداعية الاخرى, يمكن خلق عوالم وأساليب ورؤى متعددة ومغايرة ومضادة لما هو سائد في الحياة الابداعية, باعتبار أن هذه الحياة تتسع للجميع, وللجميع شرعية أن يبوحوا بما لديهم إلا أن هذه الحرية المطلقة المتاحة للابداع, لا يصبح لها أهمية مالم تكن على تماس بالآخرين, والا عدت حرية سائبة وفوضى كلامية وتوجهات سائبة لا رابط لها ولا معنى لوجودها. ان ما يسمى (جنون) المبدع, فيض من رؤى معمقة ومتفرد.. وهنا جنونها العبقري, اما أن تكون مجرد ثرثرة وفنظازيات مجردة وكلمات لا مسؤولة.. فهو الجنون المرضى الذي ينبغي ان يأخذ سبيله الى عيادة الطبيب لا الى قارىء نابه يريد جنونا متألقا بعافية الابداع الحق. نورد هذه المقدمة الموجزة وأمامنا مجموعة قصص لعلي السوداني بعنوان غريب لا دلالالة له هو (بوككو وموككو) . وقد حاولنا معرفة طبيعة وابعاد العنوان فلم نعثر على فهم واضح ولا تصور دال! وننقل للقراء الكرام نص القصة التي تحمل عنوان هذه المجموعة القصصية, لعلهم يتبينون القصد والمعنى والهدف الذي عجزنا عنه تماما: (في الليلة الواحدة بعد الألف الأول, تزدهر الأخيلة وتفرخ الاسرار وتنفك البواطن والألغاز, طلاسم تتزايد, وأحاجي تتوالد والملك ملك والكلام مباح. حدث يا سيدي أنك أردت قتلي وفي ومضة امتلاك سيفك اللماع, حررت يدي المغلولة الى عنقي, أنا غانية القواني وملكة الغواية وسلطانة السحر. جررتك من أنفك فتمنعت, ومن يدك وأذنك وقدمك ثم من سيفك الذي أعلنه الطبل عصا فصغت (البوككو والموككو) ورقصت على أنفك. ومازلت يا مليكي تلطع فما من عسل وفضة وغنج يلعب مع الازل) نصا ص 108 القصة بكاملها! فاذا عجز القراء مثلنا عن تفسير العنوان الذي قد يكون جذابا بسبب جهلهم في معناه, واقتناء الكتاب ــ ربما ــ بحثا عن معنى يجهلونه.. حتى إذا قرأوا القصة, وقرأوا القصص الــ (101) التي أوردها القاص في كتاب يقع في (110) صفحات من القطع المتوسط.. ولم يتوصلوا الى من يهديهم حسن السبيل.. اذا عجزوا عن الفهم كليا, فلمن يتوجه علي السوداني, ولماذا لم يحتفظ بما أورده في بيته اذا كان لا يهمه القارىء.. سواء منهم (بوككو وموككو) أم لم يفهم؟! الا أننالا نعمم قصة واحدة يحملها عنوان هذه المجموعة على صفحات الكتاب كله.. فهذا تعميم في طياته إجحاف وغبن لموهبة قصصية لا نشك بوهجها لو أنها تأنت وتأملت مسيرة عطائها. ان علي السوداني, يكتب قصة قصيرة جدا.. وفي بضعة سطور يسعى للوصول الى تحقيق منجز قصصي متكامل.. فهل تحقق له ما أراد, وهل أفلح في انجاز ما كان يصبو اليه؟ في قصة (سوق) يقدم صورة نعرفها بوقائعها اليومية وتتعلق بممارسة الغش في المواد الغذائية.. وقد تستأثر هذه القصة بالاهتمام كونها على تماس بحياة الناس, الا أن واقع هذه الحياة اكثر بلاغة من الفن, في حين يفترض ان يكون العكس.. من هنا نجد أنفسنا في حالة دهشة واستجابة وتضاد مع واقع كثير الوطأة على الآخرين من كتابة قصصية عاجلة. لكننا نجد علي السوداني في موقع الحضور الحي عبر قصة (زوائد) التي جاء فيها: (إنتزع عينيه من محجريهما ووضعهما على الطاولة تخلصا من وظيفتهما المزعجة, وراح ينفذ مشروعه اليومي وسط الفوضى التي تتناسل منذ ثلاثين عاما, هو لا يدري ما الذي حدث بالضبط أثناء قيلولته المؤقتة, لكنه بعد أن لبس عينيه ثانية, كان كل شيء قد انتهى) . ومع أن هذه القصة وسواها تذكرنا بقصص زكريا تامر, الا ان علي السوداني يتنبه الى كثافة اللغة ودلالة الرموز وإمكانات التأويل لقصة لا يسكنها (الوقار) التقليدي.. بل تقفز خارج الأطر, باتجاه ان يكون لها صوتها الخاص بها. وفي قصة (أسد) التي يبدو ان القاص معجب أو مهتم بها, بحيث وضعها على الغلاف الأخير لكتابه هذا, نتبين ان القصة كتبت بدقة وبراعة بوعي انساني يقظ. تقول القصة: (أنا جائع ومحاصر, البحر من أمامي والعدو من خلفي, ومركبي قد أكلته النار, فجأة نط أمامي أسد, كان الأسد جائعا ومحاصرا. البحر من أمامه والعدو من خلفه ومركبه قد أكلته النار, لحس وجنتي المنطفئين وحياني بأسنانه الجميلة, فرددت عليه بأحسن منها. انتزعت له قلبي فأكله, ورد علي بقلبه فأكلته. الآن, أنا والأسد, صديقان حميمان, متخمان وحران, وهو يأكل يدي وأنا آكل يده, يشفط دمي وأشفط دمه. أنا والأسد صديقان رائعان مسالمان) نصا مثل هذه القصة وما تماثلها.. تثير في قارئها قدرا من التأمل والانتباه, وبالتالي تصبح عرضة للتفسير والتأويل.. بمعنى أنها قصة لا تستجيب لمعنى أحادي, ولا قص محدود الأفق, يسير على هدي من طريق مستقيم ان القاص علي السوداني, مجرب.. يبحث عن تفرده.. ومثل هذا التفرد لا يمكن ان يتحقق لصاحبه مالم يكن ممتلكا لطبيعة خطابه الابداعي, لهندسة اللغة التي يتخذها سبيلا للوصول الى معطيات يريدها ويناضل من أجلها. بقلم : حسب الله يحيى