للشاعر بدر توفيق خمسة دواوين شعرية. درس الأدب البريطاني والأمريكي في جامعة عين شمس, الأدب الألماني في جامعة كولن, الترجمة في كلية الألسن, والعلوم العسكرية في الكلية الحربية وقد ترجم عن الانجليزية (سونيتات شكسبير الكاملة) (1988), (رباعيات الخيام)(1989),(فراس البحر: قصائد صينية)(1995), وعن الألمانية: أوبرا (تريستان وايزولدا)(1991) لريتشارد فاجز, ورواية (الموت في فينيسيا) (1995) لوماس مان هذا حوار, حول (أحدث) كتاب (مترجم) له, صدر منذ أيام بعنوان (أجنحة الماء: قصائد مختارة من الشعر الامريكي) , وذلك عن الهيئة العامة للكتاب. أنت شاعر معروف ولك خمسة دواوين منشورة هي: (إيقاع الاجراس الصدئة) , (قيامة الزمن المفقود) , (رماد العيون) , (اليمامة الخضراء) , و(الجنون الجميل) , بالاضافة الى مسرحية شعرية (الانسان والآلهة) , وقد حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في الشعر. وأصدرت في مجال (ترجمة الشعر): (سونيتات شكسبير الكاملة) , (رباعيات الخيام) , (فراش البحر: قصائد صينية) , أوبرا (تريستان وايزولدا) , وأخيرا (أجنحة الماء: قصائد مختارة من الشعر الأمريكي) . هل ترى أن هناك ارتباطا بين كونك شاعرا واختيار ترجمة الشعر؟! ــ طبعا, الشعراء هم أعز الناس وأقربهم الى نفسي. كما أن أحب الأشياء الى قلبي قراءة الشعر وسير الشعراء الذاتية, فنحن أسرة واحدة! ولكن هل الشاعر أقدر على ترجمة أشعار الآخرين؟! ــ أولا هناك عنصر مهم لابد من توفره لهذا الشاعر, الذي سيقوم بالترجمة هو الدراسة. فاذا لم يكن الشاعر دارسا لأدب اللغة التي سيترجم منها, فلن يترجم أبدا. بمعنى آخر, ليس كل شاعر مترجما للشعر, ولكن هناك شرط جوهري, هو أن يكون هذا الشاعر دارسا للشاعر, الذي سيترجم له في لغته, حتى يستطيع أن يترجمه الى اللغة العربية. وهناك أيضا عنصر الحب, الذي يعتبر من العناصر الجوهرية في عملية الترجمة. إذن, امتلاك الأدوات اللغوية (الانجليزية والألمانية), والاقبال بحب على دراسة الأدب الأجنبي (أمريكي, بريطاني, وألماني), ومن ثم محبة العمل الأدبي (سواء أكان شعرا أو نثرا), هو الذي يفتح أبواب الترجمة! ما هو الأساس, الذي قمت بناءً عليه باختيار القصائد الموجودة بالكتاب؟ ــ أساس اختيار القصائد هو الجانب الابداعي والقضية الانسانية, التي تعبر عنها القصيدة, أي الناحية الفنية المضمون الانساني, الذي تقدمه القصيدة, ولا تنس ان هذه مختارات من المختارات الشعرية العالمية, التي يصنفها نقاد وشعراء. أي أنك استعنت بجهود آخرين؟! ــ نعم, هناك جهود سبقتني واختارت, وقد اخترت من هذه التصفيات! الشعر الامريكي لماذا اتسعت الفترة, التي تغطيها القصائد المختارة, لتمتد (في القرن التاسع عشر والقرن العشرين) , بين عامي ,1830 1988؟ ــ بداية هذه الفترة, هي بداية تحقق العناصر الرومانتيكية في الشعر الأمريكي, وبدء تجسد ملامحه الخاصة ممثلا في لونجفيللو, ويتمان, وديكنسون, ثم اتجاهه الى التصويرية عن روبنسون, كرين, لوريل, وفورست, ثم التجليات الرؤيوية والرمزية في قصائد اليوت, تيزويل, بيريمان, وويليامز, وكذلك الاساليب الواقعية الحديثة في الصورة, الشكل, والمحتوى عند الاجيال التالية, حتى ثمانينات القرن العشرين في أشعار رايت, سيكستون, ستراند, بيرسي وستراهان, جننجز, وفورشيه, والشعراء ذوي الأصول الافريقية والآسيوية والهنود الحمر مثل آي, صونج, وجلانسي. هل يعتبر اختيارك لواحد وعشرين شاعرا وشاعرة, كافيا ومناسبا, لتغطية تلك الفترة الزمنية الطويلة؟ ــ في نطاق الاختيارات الموجودة في الكتاب, يمثل هؤلاء الشعراء كل الاتجاهات الموجودة في الشعر الأمريكي, كما يتمثل فيه كبار المبدعين الأمريكيين, الذين تبلور حول ابداعهم الشعري تقييم نقدي! ولكن يلاحظ أن من بين الشعراء المختارين, هناك تسع شاعرات؟! ــ لأن ظاهرة الشعر النسائي في أمريكا اكثر بروزا وتأثيرا, ويمثلن الغالبية العظمى على مستوى الابداع الشعري هناك. وهي ظاهرة خاصة, قد ترجع الى التعليم, والحرية, واحساس المرأة بالتحقق. وهن في ابداعهن يتحدثن عن العلاقة بين الأنثى والذكر, ولكن الأهم رؤيتها للحرب وفقد الرجال في المعارك, وهي صور خاصة لا نجدها عند الرجال.. هل لك ان تعطينا مثلا؟ ــ أنظر الى مطلع قصيدة مارج بيرسي (دعنا نلتقي عند النهر) : (أنا المرأة التي تجلس عند النهر نهر من الدموع نهر من ماء البالوعات نهر من أقواس قزح أجلس عند النهر وأحصى الجثث التي تعبر طافية من الحرب ضد التيار) لعل هذه القضية تجرنا الى ملاحظة اخرى, وهي ان بالكتاب عددا كبيرا من قصائد الحرب.. هل لعبت خلفيتك كضابط سابق بالقوات المسلحة دورا في هذا الاختيار؟! ــ بطبيعة الحال, تدفعني خلفيتي كضابط. كما أن الحرب من أشد الأعمال البشرية تأثيرا في المجتمع, فهي وراء الأنفاق الباهظ التكلفة, والاختراعات الرهيبة المدمرة, والمصير التعس والمأساوي للانسان! يلاحظ أيضا ان المقدمات المكتوبة للتعريف بالشعراء, تختلف من شاعر الى آخر.. ــ نعم, يختلف محتوى المقدمات المكتوبة بين الشعراء, فمثلا حين تعرضت للشاعر توماس ستيرنز اليوت (1888 ــ 1965), المعروف اختصارا (ت.س. اليوت), كان لابد من التعمق في تجربته الفنية, لأنه من أهم شعراء الانجليزية, وأكثرهم تأثيرا في الحركة الشعرية في القرن العشرين, ولحصوله على جائزة نوبل عام 1948. وقد عرضت لأهم ما تضمنته أعماله الكاملة التي نشرت بعد وفاته, بخلاف أعماله المعروفة, ومنها قصائد أربع: (ملاحظة عن شعر الحرب) , (الهنود الذين ماتوا في افريقيا) (حوار عاطفي) و(هيستريا) . وقصيدة (هيستريا) هي قصيدة إليوت الوحيدة التي جاءت صياغتها في هيئة (نثرية). وأنظر الى استهلالها الذي يدخلك فورا الى قلب التجربة والمشاعر المتصاعدة من الوعي المكنون: (عندما ضحكت كنت منتبها الى اندماجي في ضحكتها والى أنني حدت مشاركا فيها, حتى تجلت أسنانها كنجوم مفاجئة لها القدرة على الاختراق دفعة واحدة, جذبتني الشهقات القصيرة الى الداخل, التقطت انفاسي في كل لحظة توقف, ضعت أخيرا في طيات حلقها الداكنة, امتصني اعصار عضلات غير مرئية) . لماذا فضلت أن يكون عنوان الكتاب (اجنحة الماء) , وهو عنوان قصيدة للشاعرة كاثي صونج, التي ولدت عام ,1955 وهي أصغر شاعرة بين شعراء الكتاب.. أهو تحيز للأصغر؟! ــ العنوان صورة شعرية فيها الغموض الشفاف وفيها الواقع ببراءته. وهذه ليست تسمية الشاعرة لقصيدتها, بل تسمية الطفل, حين عبر بطفوليه وعفوية وبراءة وخيال متدفق عن هذه الأجنحة التي يستخدمها كي لا يغرق في حمام السباحة, بأنها أجنحة الماء. فهي تسمية موحية جدا ولو لم تكن كذلك, لما اختارتها الشاعرة أساسا لتكون عنوانا لقصيدتها, فالتسمية, اذن, من الواقع وجاءت من طفل كرمز لدنيا الشعر! واذا نظرنا الى عنوان كتابك السابق للمختارات من الشعر الصيني, لوجدناه (فراس البحر) وهو قريب.. (مقاطعا): لقد رأيت في قصيدة (فراس البحر) رمزا للشعب الصيني كله, وقدرته على الانجاز, فهو لا يلتفت الى الوراء, ولا يفكر في العواصف, ولا في أنواء البحر, ولا في تقلبات الجو, ولا فيما سوف يجابه من مصاعب, انه يمضي في طريقه دائما, ليواصل حركته الى الأمام! واذا وجدت قرابة بينهما, فالأمر محصن صدفة, تم دون أن أقصد! اذا كان كتابك السابق (فراس البحر) مختارات من الشعر الصيني, والكتاب الحالي (أجنحة الماء) مختارات من الشعر الأمريكي.. هل يعتبر هذا التتابع جزءا, في سياق مشروع تعمل به؟! ــ بالنسبة لي فان الترجمة ليست مشروعا له بداية ووسط ونهاية, وليست عملا منظما محبوكا. ولكن عندما تراكمت القصائد, التي أحببت أن أترجمها, وكانت في البداية خليطا له اتجاهات متعددة, ففضلت أن أصنفها, اي أن أجمع ابداع كل دولة على حدة, وبشكل مستقل! إذن, ما هو كتابك القادم في ترجمة الشعر؟ ــ ان شاء الله سيكون مختارات من الشعر البريطاني, ثم يليه مختارات من الشعر الألماني! حوار ــ حسين عيد