اليوم السبت, والساعة الآن تشير إلى التاسعة والنصف صباحا, ورغم ذلك تجد نفسك ملولا, ومزاجك حادا ونظراتك ساقطة لا تقوى على التركيز..فهل تعتقد بأنك تمر في ساعة نحس قلبت لديك الموازين وجعلتك غير قادر على مد الجسور مع المرح والانفتاح والتواصل مع الآخرين. ربما يكون كذلك, وربما انك رأيت قطة سوداء جعلت يومك أسود كما يعتقد البريطانيون وغيرهم من الشعوب. عموما كثيرون هم من يلعبون بساعات الحظ وكثيرون كذلك من يعتقدون بها ويعاملونها بحساسية مفرطة, والفرق بين التعامل بساعة الحظ والاعتقاد بها دقيق جدا, فالمتعامل بها يركز على الجانب النفسي, أما المعتقد بها فهو فريسة سهلة بالامكان التلاعب به كيفما شاء ومتى شاء. وبين هذا وذاك تكبر الخطوة وتتسع ويصبح الاسقاط اشارة واضحة للدلالة على ما يريده المتلاعبون بساعات الحظ وأوقات النحس والتعاسة, ومع اتساع الخطوة يتعملق أشخاص بعينهم ويصيبون الحظ والنحس مصادفة أو عن دراية وحدس أحيانا, فتدخل الفراسة في جوانب كثيرة من التدليل بورقة الحظ ويدخل الدجل في المتبقي منها. وقد عرفت البشرية على امتداد حضاراتها اللعب بأوراق الحظ المتساقطة وجانبها التوفيق في ذلك بفضل نعمة الحدس التي حباها الله سبحانه وتعالى لبعض من عباده, حيث تزخر أوراق التاريخ بروايات وحوادث كثيرة ومتعددة أودعها العرب في باب القيافة وهي على ضربين, قيافة البشر وقيافة الأثر, فأما الأول فالاستدلال بصفات أعضاء الإنسان وتختص بقوم من العرب يقال لهم بنو مدلج, وبالنسبة للثاني فالاستدلال بالأقدام والحوار والخفاف وقد فطن لها العرب وخبروها وفهموها وأتقنوها جيدا حتى أيامنا هذه. ومن حكايات العرب أن رجلين من القافة اختلفا في أمر بعير, وهما بين مكة ومنى, فقال أحدهما هو جمل وقال الآخر هي ناقة وقصدا يتبعان الأثر حتى دخلا شعب بني عامر فإذا بعير واقف فقال أحدهما لصاحبه أهو ذا قال نعم فاقتربا منه فإذا هو خنثى فأصابا جميعا. ومما قيل كذلك ان من العرب من كان يخط الرمل ويقول فيوافق كلامه ما يأتي بعد, ومن ذلك ما قاله أحدهم حيث شردت له إبل فجاء إلى شخص يدعى خراش فسأله عنها فأمر ابنته أن تخط في الأرض فخطت, ثم قامت.. فضحك خراش. قال الرجل: فتعجبت من هذا الأمر فسألت أباها عن سر هذا الضحك. قال خراش: أتدري قيامها لأي شيء؟ قال الرجل: لا. قال: قد علمت انك ستجد إبلك وتتزوجها فاستحت وقامت. فوجد الرجل ابله وتزوجها فعلا! وحكي عن بعض أبناء التجار انه كان في بعض أسفاره راكبا على بعيره يقوده غلام أسود, فمر بجماعة فنظر إليه واحد منهم وقال: ما أشبه الراكب بالقائد, فوقع هذا الكلام في نفس ولد التاجر, فلما رجع إلى أمه ذكر لها القصة. فقالت: يا ولدي إن أباك كان شيخا كبيرا ذا مال وليس له ولد, فخشيت أن يفوتنا ماله فمكنت هذا الغلام من نفسي فحملت بك, ولولا أن هذا شيء ستعلمه غدا في الدار الآخرة لما أعلمتك به في الدنيا. هكذا تتواصل العرب في حكاياتها ورواياتها عن فن الفراسة والدلالة والاسقاط من خلال التجارب الكثيرة والمثيرة ومن خلال البديهة وفك محابس الكلمات, فها هو أحدهم يسأل رجلا له في الفراسة جانب عن شخص محبوس هل ينطلق, فيجيبه: نعم ويخلع عليه كذلك. فيسأل: بأي شيء استدللت على ذلك؟ فيجيب الرجل: انك لما سألتني التفت يمينا وشمالا فوجدت رجلا على ظهره قربة ماء ففرغها ثم حملها على كتفه فأولت الماء بالمحبوس وتفريغه بالانطلاق ووضعها على كتفه بالخلعة. قال الرجل: وبعد أيام كان الأمر كما ذكر. عموما تظل تلك الحكايات أوراقا قديمة قد يعتقد البعض بحدوثها, وينفيها البعض الآخر الا ان المثير هو تواصل المعتقدات القديمة في زمن يتحدث بلغة التكنولوجيا وثورة المعلومات واستيطان القمر, ففي الوقت الذي يتحدث فيه الأمريكيون عن نزهات الفضاء والروبوت والانترنت والواقع الافتراضي نجدهم يطبقون معتقدات قديمة يعتقدون بها كثيرا فمثلا إذا شعر شخص ما بأن عنكبوتا يزحف ببطء فوق رأسه فإن ذلك حسب رواياتهم يجلب الحظ والسعادة والثروة. وإذا دخلت قطة سوداء إلى منزل ما فعلى صاحبه ألا يطردها لأن بقاءها داخل المنزل يجلب له الحظ السعيد عكس الانجليز الذين يتشاءمون منها. وهكذا.. نجد ان العلم والتكنولوجيا والتطور والمعطيات الحضارية الأخرى تقف عاجزة أحيانا عن الوقوف في وجه بعض المعتقدات, وحتى لا تعقد ألسنتكم الحيرة ابحثوا في تاريخ أغلب الرؤساء والوزراء وأصحاب القرار في دول العالم المتقدم فستجدون ان أغلبهم يذعن طائعا لمستشاره الفلكي الذي يحدد له ساعات حظه ونحسه.. أليست تلك مفارقة وغريبة أيضا.