في هذا العصر الذي يتميز بوجود التقنية العالية ووسائل النقل السريعة, لا يزال أحد الأماكن في ألمانيا بعيدا عن نطاق هذا التطور حيث يتم تسليم البريد فيه بواسطة مركب صغير بطيئ الحركة يتم دفعه بعمود خشبي وهذا المكان هو غابة (سبريوالد) التي تقع على بعد 70 كيلو مترا جنوب شرقي برلين, حيث يتفرع نهر (سبري) إلى حوالي 300 رافد ضحل تتلوى كالأفعى عبر الحقول والغابات. إن وسيلة النقل الوحيدة في هذه المنطقة الهادئة والمنعزلة هي المراكب الخشبية التي يتم دفعها وتوجيهها بواسطة شخص يدفع القارب بعمود خشبي طويل وهو في وضع الوقوف. وفي الواقع ان كل شيء يتم نقله بهذه الطريقة سواء كان علف الحيوانات, الماشية, مواد البناء, الفواكه والخضروات أو السياح الذين يتم نقلهم بالآلاف على متن هذه القوارب التي يبلغ طولها حوالي السبعة أمتار. والشخص المسؤول عن ايصال البريد هو (جوتا بودينز) التي تعلمت قيادة القارب في سن السابعة والثلاثين, مع ان الأطفال في هذه المنطقة يتعلمون استخدام القارب منذ سن مبكرة باعتبار انه وسيلة النقل الوحيدة هناك. وعن تجربتها في قيادة القارب, قالت بودينز: (لقد كانت الأيام الـ14 الأولى متعبة جدا, حيث لم استطع اتقان عملية المناورة بالقارب لايصاله إلى الرصيف) . لكن بعد مرور ثمانية أعوام, لم تعد سيدة البريد تعاني من أية مشكلات, وهي فخورة بأنها لم تسقط اطلاقا من فوق المركب. وفي كل يوم عمل من منتصف ابريل إلى شهر أكتوبر, تقوم بودينز بدفع قاربها الأسود والأصفر لمسافة تصل إلى حوالي ثمانية كيلو مترات عبر مياه نهر سبري. وعلى الرغم من مرور هذه السنين, الا انها لا تزال تستمتع بأداء عملها نظرا لما يتضمنه من اقامة علاقات إنسانية مع الناس الذين تلتقي بهم في طريقها. ولا يخلو الأمر من دردشة هنا وهناك أو حتى قبول دعوة لتناول فنجان من القهوة يؤدي إلى اقامة علاقات صداقة وثيقة. وبنفس الوقت, فإنها لا تجد متسعا كافيا من الوقت لتتأمل المنظر الطبيعي الرومانسي ببيوته الخشبية الرائعة وأشجاره الباسقة نظرا لان مكتب البريد الألماني يتطلب منها الدقة في مواعيدها كذلك. وتشمل جولتها في هذه المنطقة المرور على حوالي 100 منزل, حيث يضع معظم السكان هناك صناديق البريد على ضفاف النهر تسهيلا لمهمة بودينز, التي تقوم كل أسبوع بتسليم ما يقارب الـ1300 رسالة و30 مظروفا لأصحابها. وفي أغلب الأحيان, يكون زبائنها بانتظارها عند الأرصفة لشراء طوابع البريد أو لاعطائها رسائل ومظاريف لايداعها بالبريد. وبعد ثلاث ساعات تنهي بودينز جولتها إذا كان الطقس جيدا. أما في الصيف, الذي يعتبر موسم السياحة, فإن المهمة تستغرق وقتا أطول حيث تكون المياه مزدحمة بمراكب أخرى. وفي بعض الأحيان, تتوقف الحركة كليا بسبب الازدحام المروري وتحدث بعض حوادث التصادم, لكن بسرعة كسرعة الراكب التي لا تزيد عن خمسة أو ستة كيلو مترات, فان احتمال حدوث الضرر يكون ضئيلا. وفي الماضي, كان سعاة البريد في الشتاء يستخدمون مزالج الثلج لايصال رسائلهم إلى هذه المنطقة حيث يكون النهر متجمدا تماما. أما في هذه الأيام فنادرا ما يتجمد النهر في الشتاء. وعلى الرغم من ان ايصال البريد بواسطة المراكب ليس بالطريقة الاقتصادية الا انه من المستبعد ان يتم ايقاف هذه الوسيلة التي تتميز بها ألمانيا. والتي تعتبر غير ضارة للبيئة وتمثل عنصر جذب للسياح.