عندما يذل الحسد أقلام الكتاب، عجيب أمر بعض الكتاب عندما يتقدم بهم العمر, المفروض ان تصبح أقلامهم اكثر نضجا وحساسية, وان يكونوا أعظم ادراكا لردود فعل ما يكتبون لدى من يقرأون ولكننا في هذا الزمن الذي لا نكاد نفيق من احدى غرائبه حتى يدهمنا بغريبة اخرى أعجب وأدهى, نكتشف كل يوم ان ماكان مفروضا بالامس لم يعد هو القاعدة السائدة اليوم... وان القيم والاخلاق التي تعارف عليها اسلافنا من مئات وربما آلاف السنين يمكن ان تختلف وتتحول من نقيض الى نقيض, دون ان يحس (المناقض) بأنه يقترف اثما اعتاد الناس ان يحتقروا صاحبه, ودون ان يشعر بوخزة ضمير, او تعلو وجهه حمرة الخجل. واسمحوا لي ان اضرب مثلا كاتباً مرموقاً, له عمود يومي في واحدة من اكبر الصحف العربية وأوسعها انتشارا... وقد لا تعجبني معظم كتاباته, خصوصا عندما يدافع عن التطبيع مع اسرائيل, ولكنني لم أجد في ذلك سببا لكي يتحول ضيقي بما يكتب الى نوع من العداء أو الاحتقار. فالرجل في نهاية الامر, من حقه ان يتخذ لنفسه الموقف الذي يريحه ازاء اسرائيل, وان يدافع عن موقفه هذا تصريحا أو تلميحا, ومهما كانت غلاظة هذا الموقف فإننا يجب ان نتمسك باستمرار بقاعدتنا العربية الذهبية, ان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية. حتى كان مطلع هذا الاسبوع, فإذا بالرجل اياه يخصص عموده للحديث عن الدكتور احمد زويل مبديا دهشته من هذه الهالة الاعلامية (المضللة) التي احاطت بالرجل في كل وسائل الاعلام العربية, وكأنه ــ كما قال ــ (فتح عكا أو حرر القدس) مع ان الرجل لم يفعل شيئا يذكر, ولم يقدم للعلم اكثر مما يفعله اي معيد في جامعة مجهولة! وأنا شخصيا لم اعرف الدكتور زويل, ولم استطع بحكم ضآلة معلوماتي الرياضية والفيزيائية ان افهم تفاصيل اكتشافه المبهر, سوى انه اوجد مقياسا جديدا لسرعة الحركة سماه الفيمتو, وهو واحد على مليون تريليون من الثانية, وان هذا المقياس له اهمية هائلة في مجال رصد العمليات البيولوجية التي تحدث في جسم الكائن الحي, وكذلك في رصد حركات النجوم والكواكب والمجرات في الفضاء الكوني. وان هذا الاكتشاف استحق ان يمنح من اجله ارقى جائزة علمية في الولايات المتحدة, ولم تمنح من قبله الا لحفنة من العلماء مثل اينشتين, الذي قالوا بصدده ان انجاز د. زويل لا يقل اهمية عند اكتشاف نظرية النسبية المنسوبة لاينشتين. وبالطبع فقد ابهجني للغاية ان يلقى عالم عربي هذا التكريم, تماما مثلما اسعدني ان يحصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل, او الفريق القومي المصري لكرة القدم لبطولة افريقيا. او الملاكم اليمني نسيم حميد للبطولة العالمية في وزن الريشة او الديك لا يهم. ومن المؤكد ان هذا الاحساس بالاعزاز والاعجاب بالدكتور زويل هو رد الفعل الطبيعي لدى ملايين العرب. فاذا شذ احدهم عن هذا الاجماع فلابد ان يكون لذلك سبب. ولقد حاولت ان افهم السبب الذي حدا بالكاتب الكبير الى الهياج الذي حدا به الى استنكار الاجماع العربي على الفرحة بالتكريم العربي والعالمي الذي حظي به الدكتور زويل.. مع انه تبين لي مما كتب انه لم يعرف الدكتور زويل ولم يره الا على شاشات التلفزيون وليس بينهما منافسة على منصب في وزارة, او مجمع لغوي او حب فتاة. ثم كيف ان الكاتب الكبير لم يقدر ان رد فعل مقاله لدى القراء سيكون الاستهجان.. وادراج اسمه على رأس قائمة اعداء النجاح؟ ولماذا كل هذا الغل الذي تنضح به سطوره وهو يتحدث عن رجل ــ على حد قوله ـ لم يعرفه ولم يلتق به في حياته.. وكل ما يعرفه عنه هو أنه حصل على جائزة عالمية كبرى ومن المؤكد ان الذين منحوها له ليسوا بلهاء وانه مصري الاصل من مواليد قرية نائية في محافظة كفر الشيخ. لماذا اختلف رد الفعل لديه عن كل الملايين الذين قرأوا او سمعوا عن العالم المصري في جميع ارجاء الوطن العربي؟ هل ذلك كان من باب (خالف تعرف) ؟ ولكن هذا الباب لا يدخل منه عادة إلا صغار الكتاب او المبتدئين, او المدعين, والمفروض ان صاحبنا قد تجاوز تلك المرحلة منذ اكثر من نصف قرن. حتى اذا ما اعياني البحث والتفكير وجدت الاجابة عن كل هذه الاسئلة في احدى حكايات أبي الفرج الاصفهاني في موسوعته التراثية الرائعة.. الاغاني.. حيث يقول: كان للنعمان بن المنذر يومان في السنة احدهما يوم نحس النعمان والثاني يوم سعد النعمان. وكان يختار ليوم نحسه او سعده ساعة يخرج فيها الى الخلاء دون ان يعرفه احد سوى الحراس القريبين. فيكون النحس او السعد من نصيب أول من تقع عليه عيناه من غير حراسه وبطانته. فان كان ذلك في يوم النحس كان مصير العابر القتل واقصى ما يمكن ان يناله من تخفيف هو السماح له بالطريقة التي يقتل بها بالسيف على النطع, ام شنقا على اقرب شجرة, او تعليقا على الخازوق. اما اذا كان يوم سعده, فإن أول من يلقاه الملك النعمان بن المنذر يكون من حقه ان يطلب ما يشاء فيجاب الى طلبه في الحال. وذات يوم من ايام السعد, وقف الرجل (المسعود) بين يدي الملك الذي قال له: ــ اطلب ما تشاء يا رجل, فسوف نستجيب لطلبك مهما كان, ما عدا ان تطلب مني التنازل لك عن عرشي. سأل الرجل مستريبا ــ أي طلب اطلبه, سوف تنفذه لي؟ اجاب الملك ــ هذا عهد قطعته على نفسي ولن اخلفه, بل اكثر من ذلك, سوف احقق لجارك ضعف ما اعطيه لك. سكت الرجل لحظة, ثم قال: ــ اذن, مر حاجبك هذا ان يفقأ عيني اليسرى! والقصة تقف عند هذا الحد, ولا تقول ماذا فعل النعمان بالرجل المغلول من جاره الى هذا الحد. ولكن, احسب ان صاحبنا, الكاتب الكبير اياه لم يكن يقل غلا, بل ربما كان غله اكبر, فرجل النعمان على الاقل كان يعرف جاره, وربما كان لديه سبب لغله, اما صاحبنا فلم يعرف د. زويل في حياته.