أمهات الكتب العربية خمسة فاسمع يا صاح وتعلم!هكذا كان اساتذتنا, نضّر الله ثراهم, يلقنوننا ونحن في خضرة الطلب فتيانا يافعين يتصورون في هذا التلقين العلم كله. كيف لا واستاذ اللغة العربية يصر على ان علوم الاداب العربية وفنون بني قحطان اوعدنان قد تم استيعابها وامكن ـ بفضل المولى ورحمته ـ اختزالها في الكتب ـ الخمسة ـ الامهات وهي كما قد لا يخفى على فطنتك: الاغاني للاصبهاني, والامالي لابي عليّ القالي, والكاتب لابي العباسي المبرد, والبيان والتبيين لابي عثمان الجاحظ, ثم تختتم المسبحة الكلاسيكية ذات الفوائد المضمونة بكتاب العقد الفريد لابن عبدربه. ومثل اي تلميذ مجتهد فقد عكفت ـ علم الله ـ على موازاة دراساتي في آداب الانجليزية وعلومها وكانت بالطبع لزوم الحرفة وأكل العيش ـ مع قراءات كان بعضها اشبه بالعذابات ومعاناة الضنى لكي افهم, ولعلّني اهضم, الكتب الامهات المذكورة اعلاه, ولا اكتمك القول ان لم افز من المعاناة بطائل كثير فالكل ينقل عن الكل, والسابق يقلده اللاحق. والرواية على اكثر من وجه والبساط احمدي. وكله عند قومنا العرب ـ صابون ـ صحيح ان الجاحظ كان متميزا بين الاعلام الخمسة الذين ذكرت, وان ثرثرته كانت ولا تزال من احب الاشياء الى قلبي ولعلي تأثرتها تماما كما تأثرت واصبت ثرثرة طلية اخرى لكاتب اديب في عصرنا الحديث هو الدكتور ــ الدكاترة زكي عبدالسلام مبارك واني لمحدثك عنه في يوم قريب او بعيد باذن الله, وصحيح ان ابا الفرج صاحب الاغاني واصحابه الميامين قد زودونا بصور مسهبة وبليغة للحياة والكسب والفن والابداع الادبي في عصور العربية بين مدها الحضاري وافولها في عصور الانقسام والتشتت, ناهيك عن عصور الطوائف وسطية العجمة التي فرضها الديلم والتركمان والزنط والمغول, الا ان العبد الفقير شعر بعد عند مراحل النضج ان فاته من الامر الكثير وان معلميه الاوائل انما كانوا ينقلون بدورهم عن اسلافهم هكذا ( خبط لزق) دون روية أو امعانأو تمحيص. ترى لم اقتصرت امهات الكتب على احاديث الشعراء والخلعاء والندامى والمسامرين والمحطيات والمغنيات والمطربين؟ اين كان هذا كله من ابداعات عبقري مثل ابي حيان التوحيدي او تأملات ابي العلاء المعري او طروحات القاضي عبدالجبار او اشراقات الغزالي الكبير ابي حامد, او تواريخ المقريزي او الطبري او مسكويه؟ تداعت كل هذه الخواطر الى الذهن وانا على متن طائرة تنقلني من شيكاغو الى نيويورك عشية كتابة هذا الحديث وقد ايقظتها من قاع الذاكرة كلمات المانشيت الذي صدرت به جريدة (يو اس توداي) اوسع الصحف الامريكية انتشارا واقربها كما تقول الاستطلاعات الى قلب وعقل الاخوة الامريكان من متوسطي واحيانا متواضعي الحال والفكر والثقافة. حمل المانشيت اخبار قائمة الكتب الامهات كما اختارها الامريكيون في آداب الانجليزية. ولأنهم اكثر تواضعا منا نحن العرب فقد كان حسبهم ان اختاروا امهات الكتب في الصدارة فقط في هذا القرن العشرين ولم يستخدموا مثل حالنا اليعربي افعل التفضيل في قولهم اعظم الكتب قاطبة في العالمين او اشعر بيت قالته العرب على مر التاريخ! ولعله بلغك ــ فالوكالات شغاله على ودنه كما يقولون ــ نبأ تلك القائمة التي حملت عناوين اهم 100 كتاب صدر منذ عام 1900 وحتى كتابة هذه السطور, دع عنك ان نتصدر رأس القائمة, بمثابة الكتاب رقم واحد على سن ورمح رواية (يوليسيس) للاديب الروائي الايرلندي جيمس جويس المتوفى عام 1941. بيد ان (يو اس توداي) لم تتورع عن كتابة المانشيت على صدر صفحتها الاولى (عدد الثلاثاء 21 يوليو) على النحو التالي: يولسيس (هيه!) تتصدر قائمة افضل الكتب! ولك ان تترجم (هيه) هذه على أوجه شتى والصنعة تحكم كما قد نقول: ترجمها بعبارة (شوف ازاي) أو (سبحان العاطي الوهاب من غير حساب) او بكلمة (يافرحتي! الساخرة) والحاصل ان صدرت القائمة اياها كي تثير عاصفة مازالت محتدمة من الانتقاد والجدل الساخن. قالوا: ان الذي وضع القائمة كوكبة من المبدعين والنقاد واهل الصنعة الادرى بعالم الكتابة والنشر والابداع. وربما وصلت ذيول العاصفة الى لندن عابرة الاطلسي حيث كتب الناقد (الين دي بوتوم) يقول رويدكم ياجماعة هناك فرق بين الكتب العظيمة التي تتصدر مثل هذه القوائم وبين الكتب التي نحبها ونشغف بها ونقبل على قراءتها. وكم من كتاب وصفوه بانه رائعة من الروائع او واحد من الكتب الامهات فاذا بالمرء يزوّر عنه ازورارا لان كلمة كتاب (عظيم) تكاد ترادف الفخامة والجهامة والروح الاكاديمية الجافة التي تأخذ بخناق القارىء المتذوق وثورته نوعا من الهم العظيم ايضا. وقد استرعى الانظار ايضا ندوة عقدتها شبكة سي.إن.إن اكثر الله من امثالها ذكاء وحنكة ورصانة, او ادعاء بالرصانة في دنيا الاعلام العربي وعمد فيها مقدم برنامج (اسبوع الترفيه) الى استضافة ندوة من الشباب (في سن الثلاثين) كي يقولوا رأيهم في قائمة احسن مائة كتاب اياها ,ساعتها قال قائلهم: ــ نحن نحترم هذه الكتب لكننا نختلف تماما من حيث معايير ومحصلة الاختيار, واغلب الظن ــ أضاف الشاب ــ ان الذين اختاروها رجال من كبار السن ينتمون الى اجيال سبقت, واحيانا غبرت, فباتوا وقد انقطعت صلتهم بما يجري في راهن الزمن وما يعتمل في قلوبنا نحن اجيال الشباب من افكار ومشاعر وخيالات, هنالك تساءل شاب آخر: ــ ألا يدعونا الأمر الى التساؤل مثلاً اين الكتابات التي ابدعتها اديبات بارعات طبعاً باستثناء أربعة في المائة فقط من الخيارات ومنهن الروائية فرجينيا وولف التي انتقلت الى رحمة مولاها عام 1941 للميلاد! ولماذا لم تضم لجنة الاختيار الموقرة الا سيدة ناقدة واحدة ليس الا؟ ثم اين ادب الاطفال بكل هيلمانه واهميته الحيوية في عصرنا؟ واين كتابات الأدب الفضائي والخيال العلمي المحلق على جناحي عبقرية القص وتحقيقات الدرس العلمي عند الأمريكي ستيفن كنج مثلاً؟ واين أدب الرواية أو القصة الصحفية وبعضها يرقى إلى مراتب الابداع الرفيع؟ وأدب السينما (القصة والسيناريو) .. إلخ؟ واحقاقا للحق فقد ضم فريق الاختيار سيدة واحدة ولم يضم أديبا من السود الملونين وهو ما كان بدوره محل لوم الناقدين والمعلقين الذين افتقدوا في قائمة الروائع المختارة اسماء وأعمال أدباء كبار كتبوا ويكتبون بالانجليزية في اصقاع شتى ما بين غانا أو نيجريا أو جنوب افريقيا إلى الهند وبلدان البحر الكاريبي, مع هذا كله فالقائمة صدرت, والجدل محتدم والظاهرة صحية ومسلية وتستحق المتابعة وسوف يتلوها في العام المقبل قائمة بأحسن الكتب غير الروائية - كتب الانسانيات والطبيعيات وما إليها وذلك ضمن مشروع تشرف عليه جامعة هارفارد. أما رواية (يولييس) فها هي تقبع أمام العبد الفقير لحظة كتابة هذه السطور وفي طبعتها النفيسة المذهبه البالغة الأناقة وبالطبع الـباهظة الثمن والله المستعان صفحاتها تبلغ 733 صفحة من الحجم المتوسط وقد صدر من الطبعة التي سارعنا الى اقتنائها حجزا وبشق الأنفس ألف نسخة فقط لا غير (شوف العز!) وهي ولا فخر الطبعة الأصلية الصادرة عام 1922 عن دار شكسبير آند كومباني الكائنة في محلها المختار في البناية رقم 12 بشارع الأوديون في باريس المحروسة اضف الى ذلك المجد ايضا ان الطبعة الثمينة محلاة بلوحات الرسام الفرنسي الأشهر هنري ماتيس تلك هي ان الطبعة التي سنحيل اليها (اذ يمتد) حديثنا في ثرثرة موصولة (ولنا الأسوة في الجاحظ أو زكي مبارك) عن أعظم رواية صدرت كما رأى النقاد في هذا القرن العشرين وقد أطلقها صاحبها جويس كما رأيت مع فاتح العشرينات فبهر بها الدنيا وشغل الناس.