رحلة السفر الوحيدة التي لا انسى تاريخها, كانت الى جنيف وكانت في يوم السبت الرابع من اغسطس 1990. ذاكرتي التي تحفظ كل شيء الا الارقام لاتزال تحتفظ بتاريخ هذه الرحلة, وهي رحلة مثل كل الرحلات لا شيء يميزها إلا الرقم. اخترت مع الاصدقاء مكان وتاريخ السفر قبل فترة طويلة من الموعد المحدد, حجزنا تذاكر الطيران ولأول مرة لم افكر في حجز الفندق والبرنامج السياحي, والسبب ان احد الاخوة العرب عرض خدماته وخبرته الطويلة في بلده الثاني الذي يعرف تقاسيمه أكثر من بلده الام, واعدنا باللقاء هناك, في المطار, واعطانا رقم هاتفه. الاصدقاء فرحوا لهذا العرض, سيجدون مرشدا مخلصا في اغلى بلاد الله. اقترب السفر, وفي اليوم الاخير للدوام كنت واقفا مثل عشرات الزملاء منذ الصباح امام (تيكرز) الوكالات, نقرأ خبرا وحيدا على جميع النشرات وبكل اللغات (عاجل.. عاجل) وصفحة بيضاء مسجل عليها سطر اسود (الجيش العراقي يدخل الكويت) ولا تفاصيل اخرى. كان ذلك يوم الخميس, فالجمعة, وجاء السبت موعد السفر, حسبنا مثل الآخرين في هذا العالم انها مجرد (نزهة) ولم نحسب ان رحلة الجيش العراقي للكويت ستطول وانها ستسجل في ايام العرب السوداء. سافرنا مطمئنين اننا سنتابع في الاذاعة وفي صحف المهجر نهاية الحكاية مع نهاية الاسبوع الاول. في مطار جنيف بحثنا عن الاخ العربي في كل جنبات المبنى ولم نجد اية اشارة تدل عليه جربنا الهاتف ولم يرد علينا احد, تعلقنا بأمل ان يكون في انتظارنا خارج المطار, ولكن الامل تلاشى كذلك بمرور ساعة كاملة من البحث والانتظار, بداية سيئة. ركبنا القطار الى المدينة ولم تطل رحلة البحث عن فندق قريب من البحيرة مع اننا في عز موسم السياحة, وضعنا حقائبنا ونسينا التعب مع نسمات جنيف الباردة, نزلنا لنقترب من البحيرة, مشينا على ممراتها الطويلة حتى اصابنا الجوع, كانت مشكلة اخرى ماذا تأكل في جنيف وانت لا تعرف مكونات المائدة السويسرية. بحثنا في صفوف المطاعم الكثيرة التي تجاور البحيرة عن مطعم عربي او هندي او صيني او حتى ايطالي فلم نجد, وجدنا في نهاية البحث (ماكدونالد) ولم نصدق ان مشكلة الاكل انحلت بهذه السرعة, فكان مطعمنا الوحيد في الغداء والعشاء, حتى قررنا مقاطعته بعد اسبوع واحد وبسبب احد رفقاء السفر الذي قرر الصوم عن اكل المطعم لأنه (مل) الاكل واصابته التخمة من الوجبات السريعة. عدنا نبحث من جديد عن مطعم آخر, ووجدنا هذه المرة (البيتزاهت) الامريكية, ورافقتنا حتى نهاية الرحلة, اجمل شيء تعمله في جنيف هو ان تمشي على بحيرتها, وهكذا برنامجنا في الصباح والعصر وعند المساء من البحيرة الى المحلات المجاورة لها الى الجلوس في الحدائق او ركوب سفينة سياحية تجول بك اطراف البحيرة. وفي كل مكان تذهب اليه تشاهد ملامح عائلة خليجية او مجموعة شباب عرب, فالعرب هنا اكثر من اية جنسية اخرى اكثر حتى من السويسريين انفسهم. في هذا العام لم يكن كرنفال جنيف ممتعا وسعيدا عند السياح العرب مثل الاعوام التي سبقته مع ضخامة العرض الذي قدم في هذا الصيف, فشاركوا فيه العرب بالدموع والصراخ والقلق, كان كرنفالا للحزن أكثر منه للفرح, فشبح صدام كان حاضرا على البحيرة. نكمل في الاستراحة المقبلة