تمشيت على جسر بونتو فيكيو ويعني الجسر القديم, حيث بني عام 1345)ولكن اليوم الأحد ومحلات الصاغة والتحف على هذا الجسر مغلقة وكان يوجد على نهر(الأرنو)الذي يقسم مدينة فلورنسا إلى قسمين العديد من الجسور التاريخية ولكن القوات النازية قصفتها ودمرتها في نهاية الحرب العالمية الثانية ولم يبق منها إلا جسر (بونتو فيكيو) التاريخي . بعد ان عبرت الجسر توجهت إلى قصر ومتحف (البيتي) . اراد الثري والمصرفي (لوقابيتي) ان ينافس أسرة (مديتشي) في بناء القصور الضخمة والحدائق الغناء, فأمر ببناء هذا القصر الكبير والفريد في عام 1457 وصرف عليه أموالا طائلة إلى درجة أثرت سلبيا على ثروة تلك الأسرة, فاضطر ورثة (لوقابيتي) ان يبيعوا القصر إلى منافسيهم من أسرة (مديتشي) الذين انتقلوا للعيش فيه عام 1549. يوجد في قصر ومتحف (البيتي) عدة أقسام ولكنني فضلت أن أذهب إلى أهم تلك الأقسام ألا وهو معرض (البالاتين) الذي يحتوي على روائع عصر النهضة وعصر الباروك, ما اجمل لوحتي (عودة الفلاحين من الحقول) و (نتائج الحرب) للفنان (روبنز) وما أروع لوحات الطبيعة الصافية لفناني الشمال الأوروبي, وما أفظع لوحة خالع الأسنان للفنان (كارافاجيو) ولوحة (الحية وهي تعض صدر كليوباترا) للفنان (جويدو ريني) . تتمشى في حجر القسم الرائعة فتشاهد سيلاً لا ينقطع من ابداعات الريشة الساحرة, في حجرة فينوس ينتصب تمثال (فينوس الايطالية) الذي نحته الفنان (كانوفا) للامبراطور (نابليون الأول) في عام 1810, وفي حجرة أبولو هنالك لوحة (مريم المجدلية) للفنان (تيشان) وفي باقي حجر القسم تتوزع أعمال كبار الفنانين وتأتي على رأسها لوحات الفنان الكبير (رفائيل) . بعد خروجي من قصر (البيتي) اتجهت إلى حدائق (البوبولي) الموجودة خلف القصر. في صغري كنت أقرأ الأوصاف البلاغية عن الحدائق الغناء التي تتمايل أغصان أشجارها وتغرد أطيارها ويتدفق الماء في نوافيرها وكانت هذه الأوصاف شبيهة لأوصاف تساقط الثلج فوق المناطق الجبلية, أشياء نقرأ عنها في الكتب ولا نراها في الامارات في تلك الأيام. في حدائق (البوبولي) يمكن ان تشاهد عيانا كل ذلك الوصف البلاغي لجماليات الحدائق الفردوسية. مررت بالمسرح المفتوح في حدائق (البوبولي) والذي كان يشهد أول حفلات (الأوبرا) ومنه ذهبت إلى نافورة (نيبتون) التي صممها الفنان (ستولدو لورنزي) عام 1565 ــ 1568 مشيت بعد ذلك إلى أعلى ارتفاع في الحديقة عند متحف (البورسلان) في حديقة الزهور. ومن فوق تلك الشرفات العالية تشاهد الريف التوسكاني المسكر بجماله الذي يذكرك بقول الشاعر عن قطعة الفردوس التي أنزلوها إلى الأرض ونسوها, وإذا كان معك من تحب وأنت تشاهد هذا المنظر الفاتن فستحظى بوقت من تلك الأوقات البهيجة النادرة في حياة الانسان. نزلت إلى ممر (فيوتولوني) الذي تصطف على جانبيه أشجار السرو العملاقة والتماثيل الكلاسيكية الجميلة, وفي نهايته جذبتني بحيرة صغيرة في وسطها جزيرة صغيرة (ليسولوتو) وفي وسط الجزيرة نسخة من نافورة (أوشيانوس) للفنان (غيامبولونا) . المشي في هذه الأجواء الخضراء الرائعة يبعث على الجوع, سألت عن مطعم في الحديقة فأخبروني بان هنالك مطعما تاريخيا بني عام 1776 باسلوب (الركوكو) في الطرف الآخر من الحديقة مقابل نافورة (غيميند) . المنظر من ذلك المطعم المرتفع يأخذ الألباب إذا جلست في حديقته حيث تطل على أجزاء جميلة من مدينة (فلورنسا) . تديت رافيولي وسلطة وآيس كريم, إلى الطاولة التي على يميني جلس زوج وزوجته, وكان المطعم مزدحماً, جاءت فتاة فلم تجد لها مكانا, طلبت من الزوج وزوجته أن يسمحا لها بأن تجلس على الكرسي الموجود قرب طاولتهما. وافقا بسرور ثم اكتشفوا انهم من بلاد واحدة هي السويد, فزالت الكلفة بين الزوجين والفتاة وتبادلوا الأحاديث الحميمة أثناء الغداء وتبادلوا العناوين, ولكن في النهاية كل دفع فاتورته بمفرده على طريقة الأوروبيين. في المساء ذهبت إلى مسرح (بيرغولا) حيث استمتعت بعزف الفنان (اندريه لوشيزيني) على البيانو والفنانة الشابة (لورينزا بوراني) على الكمان. عزفا عدة مقطوعات موسيقية كلاسيكية لطيفة منها : سوناتة موتزارت الرائعة رقم (376) وسوناتة برامز الجميلة رقم (78) وسوناتة كريغ المختلفة رقم (45) ورقصة رومانية شعبية لبارتوك. وبعد انتهاء البرنامج الموسيقي عزف العازفان قطعتين موسيقيتين جميلتين هدية للجمهور المتحمس, الأولى: سكرتزو لبرامز والثانية: تحية الحب لإلغار. أي شيء يمكن ان ينهي هذا اليوم الرائع أجمل من هذه المعزوفات الموسيقية البديعة !! قبل النوم قرأت في كتاب (المفكرة الريفية) للأديب اللبناني (أمين نخلة) : (وفي الشجر الذي التقى ونور الشمس, بجوار الرابية, اسعد ملتقى, وقد جلست , أنت, من ذلك, منظر العين, وكررت النظر في حدائق الخضرة, تحس روح الريف! فجمال يملكه الله, وحده, ودوام لا ينقطع, وخير لا يفنى.. ثم تنظر حولك, فكأنها أصابع خفية قد أومأت إليك, تريد منك, في حضرة الجمال, ان تتحرك.. فلا تصدق الأصابع توميء إليك, ولا أحد يطلب منك ان ترقص من فرط الطرب..!! للرحلة بقية