أخيرا.. تم الافراج التلفزيوني عن (ناصر 56) . والتف الملايين في مصر حول أجهزة التلفزيون يعيشون مع بطلهم في واحدة من أعظم المعارك في تاريخ مصر والعرب الحديث.. معركة تأميم قناة السويس وما أعقبها من حرب عدوانية على مصر شاركت فيها بريطانيا وفرنسا واسرائيل, وتصدت لها مصر بشجاعة, ووقف العرب جميعا مع مصر في معركتها التي توجتها بانتصار كان بداية لصفحة جديدة في تاريخ العالم كله. سائق التاكسي الذي أوصلني للمنزل قبل عرض الفيلم كاد يصطدم بالسيارات الأخرى عدة مرات وهو يحاول السير بسرعة ليوصلني ثم يعود لمنزله ليتفرج على الفيلم.. وهو يفسر لهفته بأنه لم يستطع مشاهدة الفيلم عند عرضه في دور السينما, ولكنه سيتفرج عليه الليلة مع الأسرة ويشرح للأبناء ما لا يستطيعون فهمه وما يريدون معرفته عن (الراجل بتاعنا) . أعجبني التعبير البسيط الجميل. فبعد ما يقرب من ثلاثين عاما من رحيله, ورغم حملات التشويه البشعة ما زال عبدالناصر هو (الراجل بتاعنا) .. أي رجل الملايين من البسطاء الذين عرفوا معه معنى أن تعيش كريما في وطن حر, تقاتل معاركه لانك تدرك جيدا انك مالك هذا الوطن وان خيراته ستكون لك ولأبنائك. لقد تم انجاز (ناصر 56) بعد معركة طويلة تغلب فيها مبدعوه على العراقيل الكثيرة التي وضعت في طريقهم, ثم ظل حبيس العلب بعد ذلك فترة طويلة حتى تقرر عرضه في دور السينما ليفجر قنبلة غير متوقعة, ويحقق ايرادات غير مسبوقة, ويصبح حديث الجميع في مصر والوطن العربي. ثم انتظر الناس عرضه على شاشة التلفزيون ليتمكن الملايين في ريف مصر من مشاهدته, وتكررت الوعود بعرضه في كل مناسبة وطنية حتى تم العرض هذا الاسبوع لتخلو شوارع القاهرة من المارة ويتسابق الجميع ليعانقوا (الراجل بتاعهم) ويستعيدوا ذكريات الكفاح الصعب والأيام الجميلة. ويجيء عرض الفيلم تلفزيونيا, وقناة السويس في بؤرة الأحداث مرة أخرى. فقبل أسابيع ثارت ضجة حول ما أذيع عن النية في خصخصة قناة السويس. ورغم تأكيد الحكومة الجازم بأن ذلك بعيد عن التفكير, فإن مشاعر الناس قد اهتزت خاصة بعد أن تم اصدار قانون لبيع بنوك القطاع العام. ومن ناحية أخرى فقد صدرت اعترافات الروائي نجيب محفوظ وفيها الكثير من (الكلام الفارغ) في أمور السياسة, ومنها أن تأميم قناة السويس كان خطأ وان حرب السويس كانت هزيمة. وليس هذا مجال الرد على هذه الخزعبلات المحفوظية حتى لا نغرق القارئ في بحر السياسة ونحن في (الاستراحة) , ولكن لا بأس من أن نقول (كلمتين وبس) عن تلك (الجنة الموعودة) التي انقض عليها عبدالناصر بقرار التأميم فحرم المصريين من النعيم الذي كانوا يعيشون فيه في ظل احتلال أجنبي وإدارة أجنبية لقناة السويس تسلب مصر حقوقها وتقدم مثالا فاضحا لسرقة المستعمرين لشعوب الدول الأخرى ونهب ثرواتها. كانت شركة قناة السويس دولة داخل الدولة أو ــ إن شئت ــ فوق الدولة, ترسم سياستها في باريس ولندن ــ وكل ما يربطها بالحكومة المصرية تلك الهبة السنوية التي تحصل عليها من الحكومة والتي تبلغ مليون جنيه, ثم منصب لممثل الحكومة المصرية في مجلس إدارة الشركة لا يفعل شيئا الا الحصول على مرتبه الضخم الذي يجعل من المنصب محلا للصراع بين الوزراء والمستوزرين, وأخيرا تلك النسبة المقررة للعمالة المصرية في الشركة وكانت تخصصها لصغار العاملين من السعاة والفراشين والحرفيين في الورش التابعة للشركة, بينما المناصب الكبرى والوسطى كلها للأجانب. كانت الشركة هي المسيطرة على كل شيء في مدن منطقة قناة السويس, فهي المالكة للأرض, وهي التي تدير المرافق الأساسية, وهي التي تحتمي بجيش الاحتلال وبنفوذ الدول الكبرى لتفرض ارادتها, ولتشارك في التآمر على مصر من داخل أرضها, بل وتتجسس لصالح الدول المالكة ثم لصالح اسرائيل كما كشفت الوثائق الرسمية. وكانت مدن القناة تنقسم عادة إلى حي للعرب وحي للافرنج.. والفارق بينهما كان صارخا في كل شيء. وكان رئيس شركة القناة الفرنسي هو الحاكم بأمره في كل مدن القناة. وكان للأجانب مدارسهم وأنديتهم الخاصة المتميزة, أما المصريون أو العرب كما كانوا يطلقون عليهم, فيكفيهم أن يعيشوا على البقايا التي يتركها لهم الأجانب. كان أعظم ما في قرار التأميم هو روح التحدي التي صاحبته. كانت دول الاستعمار الغربي يومها تتصور ان الشعوب المكافحة قد تعلمت الدرس من تجربة إيران حين أممت البترول فقادت أمريكا عملية الانقلاب التي أودت بمصدق وأعادت الأمور إلى ما كانت عليه.. مع تغيير أساسي وهو ان اليد العليا أصبحت لأمريكا وليس لبريطانيا. لكن مصر قلبت قواعد اللعبة, ونجحت في التحدي, واستغلت الظروف التاريخية أروع استغلال, وكانت النتيجة سقوط الامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية, واستقلال باقي الأمة العربية ووصول رياح التحرير إلى افريقيا وآسيا, واستقرار الحق الشرعي في سيطرة الشعوب على ثرواتها. ولم يكن كل ذلك سهلا, بل كان المستحيل الذي تحقق بعد معركة بورسعيد وبعد هزيمة العدوان والاقرار بعودة القناة لأصحابها. والأعظم من ذلك كله ان تأميم القناة لم يكن فقط ثأرا من الماضي, ولكنه كان أيضا رهانا على المستقبل. فقد ارتبط من البداية بمعركة بناء السد العالي الذي كان في ذلك الوقت يمثل مدخل مصر إلى عصر جديد من الصناعة, وبابا جديدا للأمل في التنمية الحقيقية. وكان انتصار مصر في معركة تأميم القناة هو جواز المرور إلى هذا العصر الجديد. وبنت مصر السد العالي بأموال القناة وبجهد خرافي من أبناء الفراعنة. وبعد سنوات أصبح لدى مصر القناة والسد معا.. وكان معنى ذلك مضاعفة الرقعة الزراعية وسد الحاجة من الطاقة الكهربائية الرخيصة. وكان معنى ذلك ان المليون جنيه التي كانت تقبضها مصر من شركة قناة السويس قبل التأميم قد تضاعفت حتى وصلت إلى ألف مليون دولار ساهمت في تعمير مصر وتدعيم اقتصادها. ومع ذلك فلعل القارئ يذكر كيف تعرض السد العالي لأبشع حملات التشويه التي بدأت بأنه حرم مصر من سمك السردين, ولم تنته بأنه سبب كل الكوارث التي شهدتها مصر والعالم في السنوات الأخيرة.. فهو المسؤول عن الزلازل وحرارة الجو في الصين, وهو المسؤول عن ارتفاع الأسعار وضرب السياحة واتفاق أوسلو وتحالف كوبنهاجن! ولعل الصدفة وحدها التي جاءت في هذه الأيام بالذات بنبأ اختيار السد العالي واحدا من أهم عشرة مشروعات في القرن العشرين. والاختيار لم يتم بتعليمات من الاتحاد الاشتراكي أو التنظيم الطليعي وإنما من لجان تحكيم أكاديمية عالية المستوى, وفي أمريكا نفسها التي تستعد لمعرض خاص عن هذه المشروعات العملاقة في مارس المقبل. لم تحتف وسائل الاعلام بالخبر كما ينبغي, لكن الناس تعرف الحقيقة بحسها الصادق. والملايين لم تصدق حملات التشويه الصارخة ضد كل انجاز لعبدالناصر ويوليو. ومشكلة البعض انهم لا يفهمون شعب مصر جيدا, ويتصورون انهم يستطيعون خداعه, ولا يتعلمون أبدا من دروس التاريخ. قبل ثورة يوليو كانت المقررات المدرسية تتعامل مع أحمد عرابي على انه خائن, وكانت الناس تقرأ وتضحك, وتضع عرابي حيث يجب أن يكون. انها نفس الجماهير التي احتضنت عبدالله النديم عقب فشل الثورة العرابية وأخفته عن عيون الانجليز سنوات طويلة. وهي نفس الجماهير التي احتضنت شابا صغيرا مثل مصطفى كامل وجعلت منه زعيما. وهي نفس الجماهير التي نصبت سعد زغلول قائدا لثورة 19 ولم تتخل عنه رغم النفي والتشريد ومحاولات الانجليز لقهر الثورة. وهي أيضا نفس الجماهير التي تعرضت لكل الضغوط وكافة الاغراءات, واستخدموا معها سطوة الاعلام الحديث لتشويه ثورة يوليو وقيادتها, ولم يفلح ذلك كله مع ملايين البسطاء الذين يعرفون بالحس الصادق وخبرة آلاف السنين من كان معهم ولهم, فيبادلونه الحب والوفاء العظيم. .. ولم يكن الحنين إلى الماضي فقط هو الذي جعل شوارع القاهرة ومصر كلها تخلو من المارة عندما أذاع التلفزيون (ناصر 56) لأول مرة. ولكنه أيضا الأمل في تجاوز الحاضر إلى المستقبل نستعيد فيه جميعا القدرة على أن نحلم, ونتحدى, ونحارب, وننتصر, ونصنع مصيرنا بأيدينا. و.. من حق (الآخرين) أن يتملكهم الغيظ مما يحدث, ومن حقنا أن نقول لهم: موتوا بغيظكم أيها السادة!!