ها نحن نوقع على أوتار الأنا العليا فنتبرع ــ مشكورين بغير شك ـ باقتراح نطرحه مجانا لوجه المولى الكريم على المهتمين بالامر من شباب طموح إلى بناء المستقبل ومن مستثمرين شاطرين في مجال تنظيم المشاريع.. والاقتراح يدور حول ( الإيمو) وقد يحمل اسم (إيموفارم) أو (إيمو كومباني) أو (إيموكو) أو (إيموجروب) , اختر ما شئت من أسماء وعناوين جريا على الموضة المختلة التي ضربت أطنابها في زماننا المهيض فإذا بنا نصبح ونمسي على ! الإيمو ــ أعزك الله ــ طائر ولا كل الطيور موطنه الأصلي هو استراليا في جنوب المعمورة, وهو من حيث الحجم يقع في منزلة بين المنزلتين, فيتوسط طائر النعام بحجمه الهائل وطائر الديك الرومي بحجمه المعروف وإذا كان الذكر من فصيلة النعام يعرف في لغتنا الشريفة باسم الظليم فقد نطلق على موضوعنا الراهن اسما من اختراعنا هو (الظليمو) . والمهم ان الإيمو أو الظليمو هو آخر فصيلة من نوع تلك الطيور شبه العملاقة بمعنى انه من أسرة أنواع منقرضة انقطع نسلها من فوق ظهر كوكبنا, ولم يبق له من شجرة الأقرباء أو الأنسباء سوى نوع آخر من الطير شبه العملاق اسمه في قاموسنا العروبي هو (الشبْنَم) أو الكاسوواي في لغة الانجليز. أما السبب في افناء هذه السلالة الطيبة من الطيور فهو المستوطنون الذين جاءوا بلا قلب أو رحمة أوجاءوا بلا عقل أو ضمير أو قدرة على قراءة المستقبل فأمعنوا في قارة استراليا مطاردة لسكانها الأصليين وتقتيلاً لحيواناتها وتقطيعاً لأشجارها وافناء لطيورها. وكل ذلك كان لمصلحة المستوطن الأوروبي القادم من انجلترا بالذات كي يستقر وينعم باطايب القارة التي كانت وادعة في جنوبي الباسفيك و (قتل الانسان ما أكفره) ! والذي حدث ان الأمريكان تنبهوا مؤخرًا إلى طائر الإيمو ومزاياه فكان ان انشأوا مشاريع خاصة لتربية الإيمو في مزارعهم بولاية تكساس على وجه الخصوص.. ولكنهم لم يفلحوا حتى الآن في تطوير تلك المشاريع وبالتالي في جني الأرباح الوفيرة التي كانوا يتطلعون إليها, لماذا؟ أولاً: لأن أمريكا بها من وفرة الموارد النباتية والحيوانية , ومن تنوعها ما يجعل القوم في غنى عن تجريب لحوم جديدة وزيوت جديدة حتى ولو كانت تمت بصلات النسب إلى الإيمو الغريب الوافد من استراليا. وثانيا: ان الأمر كان ولا يزال بحاجة إلى تغيير انماط السلوك وعادات الطعام وهو أمر يقتضي تغيير الثقافة السائدة في بلد ضخم مثل أمريكا أو تغيير جوانب أساسية منها في التحليل الأخير. وثالثا: ان الثقافة السائدة ما زالت في صالح ابن عم الإيمو وهو الديك الرومي أو التركي كما يسمونه الأمريكان وهو الطير البالغ الاحترام في تاريخهم إذ كان هو الموجود ولا شيء غيره حين وفد المهاجرون الأوائل على أمريكا, أرض العالم الجديد في القرن السابع عشر فراراً من الاضطهاد في أوروبا, واذ امحلت الأرض وخابت مواسم الزروع وتلفت المستوطنون الأوائل من حولهم بحثاً عما يسد الرمق ويطعم الأفواه وجدوا أسراب الديك الرومي فكان ان طعموا من لحومها واضافوا إلى وجبتهم ثمارا درنية هي البطاطا الحلوة.. وحمدوا الله وشكروه وظلوا يحتفلون بعيد الشكر هذا في 22 نوفمبر من كل عام وهو عيد المهاجرين الذين تتشكل منهم حتى الآن الأمة الأمريكية المعاصرة. وقد لا يخفى عليك ان الديك الرومي المذكور اختلفت من حوله القبائل وتباينت المسميات فهو (التركي) عند الأمريكان وهو (رومي) عند المصريين وهو (حبشي) عند أهل الشام وهو (على شيش) في العراق.. وكأنه بهذا كله طائر متعدد الجنسيات وهو ما يشير إلى انه غريب بين الشعوب أو هو جديد على ثقافتها واعرافها وموائد طعامها رغم انه كان طعام البشوات في مصر ومازال طعام المآدب والاحتفالات حتى كتابة هذه السطور.. كيف لا وللديك الرومي ـ التركي طلعته البهية واعتزازه بنفسه وخيلاء مشيته. لا عجب ان حمل أيضا ــ بالمرة ــ اسم الداندي في أوروبا الغربية آية على الاعتزاز والخيلاء بل ان ادارة الرئيس جونسون الغابرة في أمريكا الستينات تعمدت ان تطلق اسما من هذا المعنى على مخططاتها للايقاع بالزعيم عبد الناصر وكان الهدف بالطبع هو كسر أنفه وطعن كبريائه وتلقين كل الزعامات القومية من شاكلته دروسا في معاملة عملاق العصر الأمريكي وكان الاسم هو (اصطياد الديك الرومي) . نعود معك الى الإيمو الذي نغري الطموحين إلى سر استقدامه وتربيته وتطوير المشاريع القائمة على أساسه. تقول دائرة المعارف البريطانية انه يتغذى على الفواكه, والهوام وان الذكر يختار انثاه مدى الحياة, شوف الاخلاص ! وان طوله يبلغ متراً ونصف, وقد يصل الطائر الواحد منه نحو 45 كيلوجراما. وتقول الكاتبة الأمريكية سارة رايمر وهي التي أجتذبتنا إلى هذا الحديث أن الإيمو يتصف بمخ صغير وعنق طويل وان لحمه ــ وهذا امر نراه جوهريا ـ خال من دهون الكولسترول بنسبة 98 في المائة وان طعم هذا اللحم أقرب إلى اللحم البقري شريطة ان يطبخ حسب الأصول وانه لا يطير وان كان يرمح في فضاء الله بسرعة تصل ــ باسم الله ما شاء الله ــ إلى 70 كيلو متراً في الساعة!, وان بيضة الإيمو يصل طولها إلى ست بوصات ويبلغ وزنها نحو نصف كيلو ويمكن ان تقدم كافطار لعائلة كاملة, فضلاً عن ان الزيت المستخرج من طير الإيمو هذا يستخدم في مداواة الحروق ومعالجة جفاف الجلد وتشقق البشرة ولسعات النمل البري. ولا يخفى على فطنتك كم يعاني العالم من مشاكل الكولسترول بسبب أكل اللحوم وكم يكابد العالم الثالث بالذات من نقص البروتين.. وها هي الطبيعة تجود على البشر بفضل فاطرها وبارئها بعطايا تفيد الصحة وقد تُربى الأموال وتحقق طموحات المستثمرين. ها هو الإيمو وقد يكون هناك غيره الكثير في ملكوت الله يعرض نفسه على أفهام الناس, يسد احتياجات الناس.. فقط تحتاج المسألة إلى شرارة ابتكار ولمعة ذكاء وحسن تخطيط.. وهمة في الانطلاق وبعض صبر.. وقدر من شطارة ولا تنس بركات الدعاية ودعوة العارضات الحسناوات لزيارة المزارع المبتكرة والتصوير وسط قطعان الإيمو المرتقبة.. ولا تنس أيضا الاعتراف بجميلنا وقد سبقا بقلمنا إلى التنبيه بالفكرة والتنويه بمآثرها.. وقد نترك لك أسلوب التعبير عن هذا الاعتراف بالجميل, فالهدايا متنوعة وفيرة فاختر ما تشاء شريطة ألا تكون مثلاً زوجا من أفراخ الإيمو شخصيا.. وإلا زرعت لنا مشكلة المشاكل, فمن يستطيع في هذا الزمان ان يركض خلف طائر اشبه بالنعام تبلغ سرعة محركه الرباني نحو 70 كيلومتراً في الساعة؟