كان الفنان عبدالغفار عودة هو اول اعاجيب الاحتفال بعيد ثورة يوليو. ولا ادري هل تعرف او لا تعرف انه اخ لعبد القادر عودة, وبعضهم يسبق اسمه بلقب الشهيد اسوة بسيد قطب . ولا اعتراض لي على ذلك. فكل مفكر يفقد حياته دفاعا عن آرائه هو شهيد من وجهة نظري, حتى لو كنت اختلف معه تماما. ورغم ان ثورة يوليو اكثر الثورات التي حقنت الدماء الا ان تذكر الاسماء القليلة التي قتلت عبر ثمانية عشر عاما تثير الاسى: خميس والبقري من العمال, وعبدالقادر عودة وسيد قطب وعدد آخر من الاخوان المسلمين, شهدي عطية من الشيوعيين الخ. والبعض تصالح مع ثورة يوليو مثل الشيوعيين الذين اعتبروا استشهاد شهدي عطية يقترب من القتل الخطأ. في حين اعتبر البعض ان القضية هي قضية ثأر لن تنتهي الا بالقصاص العادل. وحيث ان القاتل والقتيل قد فارقا الدنيا في اغلب الظن, انقلب الموقف الى مسرحية عبثية يطارد فيها صاحب الثأر اوهاما لا يمكن الوصول اليها. وها هو اخو الشهيد يقف في الاحتفال بثورة يوليو يحتفل به ولا يلاحظ احد تناقض الموقف. او على الاقل لا يصرح احد بما فيه من تناقض. ورغم انني اعرف عبدالغفار عودة جيدا الا انني لم احاول اقتحام عالمه الخاص وسؤاله عن اخيه الشهيد. وان كنت قد سمعت ان عبدالغفار هو واحد من ثمانين أخا. والعهدة على الرواة, فهي قصة مشهورة جدا في الوسط الفني. ويقولون ايضا ان عبدالقادر ولد لأبيه وهو في التسعين. ولما كان عبدالغفار طويل القامة عريض البنيان بشكل ملحوظ فلقد علق عبدالرحمن ابوزهرة على هذا بدهشة قائلا: الحمد لله انه لم ينجبه وهو في الاربعين او الثلاثين. وكان المكان الذي تم فيه الاحتفال هو متحف احمد شوقي وهو قصر على النيل كان طيب الجو رغم الحر القائظ الذي اجتاح الدنيا كلها في هذا الصيف. وربما دفع المكان غيري ان يفكروا في الشاعر الكبير الذي توفي في الثلاثينات ومدى ما يمكن ان يصله بثورة يوليو التي قامت بعد وفاته بتسعة عشر عاما. وكان احمد شوقي مرتبطا بالسلطة فلقد تربى في قصور اسرة محمد علي. وعرف عنه انه شاعر الامير. والامير المقصود هنا هو الخديوي عباس حلمي الثاني, ورغم ان عصره كان عصر تغلغل النفوذ البريطاني في مصر, الا انه كان وطنيا راعيا لمصطفى كامل الذي قاد الحركة الوطنية في مطلع هذا القرن. وعندما قامت الحرب العالمية الاولى (1914 ــ 1918) عزلته السلطة البريطانية وعينت بدلا منه الامير فؤاد بن اسماعيل تحت لقب سلطان ثم تحت لقب ملك. وكان احمد شوقي شاعر الامير. وكان بالطبع له نفس مواقفه الوطنية. مما اوصله الى النفي ابان الحرب الاولى. ثم اصبح شوقي بعض ذلك اميرا للشعراء عندما نصبوه في هذا المكان. وفي رأيي انه كان في هذا ممثلا للشعر بتحويله الى دولة منظمة. ولكن هذا موضوع آخر. ما توجسته من عبدالغفار عودة مثل الندوة الاحتفالية وجدته امامي فاذ هو يبدأ بتوجيه اتهامات ويطلب من المشاركين الرد على الاتهام الذي يبدأه بكلمة (يقال) فقال للاستاذ محمود عودة: يقال ان ثورة يوليو قمعت الحركة الثقافية. فما ردك على هذا. وانفعل عودة وهو يرد على هذا الاتهام والذي شارك فيه بعدهما الاستاذ كامل زهيري. ولكننا لسنا المتلقين المثاليين. فنحن نشرد بعيدا حتى مع الحديث الهام. ولقد تحدث محمد عودة عن الانجازات الثقافية التي حققها الدكتور ثروت عكاشة اهم وزراء الثقافة في عصر عبدالناصر. وبعد عدة متحدثين اعترض سمير فريد الناقد السينمائي على تخصيص الفضل لثروت عكاشة, وقال ان الفضل الاكبر يعود الى فتحي رضوان بل ايضا ليحيى حقي. وهو حديث اثار الدهشة, ولكنني ارى انه يستحق الاهتمام. فلقد تابعت هذا الامر عن قرب احيانا, فلقد كنت من حواري يحيى حقي ومن جيرانه. ورأيت اهتمامه الشديد فافكاره متحضرة مثل: الباليه, والفن الشعبي, والاوركسترا السيمفوني, وكان رحمه الله رجلا طيبا جدا, لذلك كانت افكاره تستغرق وقتا طويلا لتصل الى الاستقرار وفي غالب الامر تنسب الى غيره. وما اثاره سمير فريد يستحق التحقيق حتى نعيد لكل صاحب فضل فضله, ولا اظن ان هذا يمس بالدكتور ثروت عكاشة. فلقد حقق مالا يهتز على مدى الزمن. ومن فوائد هذه الندوات انك تلتقي فيها باصدقاء قدامى. وهكذا التقيت بالكاتب الفنان عز الدين نجيب بعد سنوات طويلة جدا. وعز الدين كان من ابرز ابناء جيلي في كتابة القصة القصيرة, وهو من الذين حافظوا على استمرارهم لفترة طويلة. رغم ان بعضهم كتب مجموعة واحدة مثل محمد شعلان او مجموعتين مثل كاتب هذه السطور. وبالطبع حقق بعضهم تقدما كبيرا مثل سليمان فياض وابوالمعاطي ابوالنجا رغم انهما سبقانا قليلا. وكان الجانب الآخر في عز الدين نجيب هو الفنان التشكيلي الذي استمر اكثر عمقا في معظم الوقت. وبدا ان الفنان يسرق الاهتمام من الاديب احيانا. ورغم ان الظروف كانت قاسية بالنسبة لهذا الجيل الذي لم يحظ بالاهتمام مثل جيل يوسف ادريس او اجيال قبله, الا اننا كنا نجد امامنا بين الحين والحين عز الدين نجيب, ان لم يكن في معرض فني, ففي كتاب ادبي فان لم يكن نجده في قضية سياسية! وبعد يومين من هذه الندوة التقيت في ندوة اخرى عن نفس الموضوع بالكاتب والمخرج رأفت الميهي الذي تحدث عن الجيل الذي ينتمي اليه عز الدين نجيب وننتمي اليه نحن ايضا, وقال انه جيل متميز. وانا لست من الذين يميلون الى تمييز جيل على آخر. فمن الصعب ان نحكم على الاجيال ونحن ننتمي الى واحد منها. واكثر صعوبة ان نعمم الاحكام من تجارب ذاتية. واكاد ارفض الموقف كله. بالتأكيد هناك خصوصية للاجيال تنبهنا اليها منذ تعبير ارنست همنجواي الشهير عن جيل الاربعينات في الولايات المتحدة ووصفه بأنه الجيل المهزوم. منذ ذلك الحين والجميع يحاولون التعرف الى كل جيل, ومعرفة صفاته. ولكن الانحياز الى جيل يجعلنا احيانا نظلم الاجيال الاخرى فكثيرا ما اسمع واحدا من جيلي وهو يمتدح هذا الجيل ويميزه بالثقافة والاتزان والوطنية. ويهاجم الاجيال التالية ويتهمها بالجهل والانحلال واللامبالاة. ولا اصدق ان هذا كله صحيح. فانا اعرف جيلي جيدا واعرف انه كان يمتلىء بالسلبيات. واعرف من الاجيال الجديدة من يختلفون عن السمات العامة لجيلهم. ورأفت الميهي كتب في الستينات والسبعينات افلاما جادة مثل (شروق وغروب) و(على من نطلق الرصاص) وفي الثمانينات والتسعينات كتب واخرج افلاما مجنونة مثل (سيداتي سادتي) فهل هذا دليل على عقل الستينات وجنون التسعينات؟ اعود الى ندوة متحف احمد شوقي حيث تحدث بالاضافة الى من ذكرت الدكتور حسام عيسى. وانشد محمد ابراهيم ابوسنة بعضا من شعره الذي قاله ضد النظام في الستينات. واختلف الحاضرون حوله. هل نقد النظام يليق بالاحتفال به. ام ان هذا النقد دليل على حيوية هذا النظام. ونحن منصرفون بعد ان سمعنا ــ كالعادة ــ الى غناء عزة بلبع القومي قال لي صديقي: الا تلاحظ ان الاحتفال بعيد 23 يوليو مختلف في هذا العام؟ والتفت له متحمسا, وبدأت افسر له ما آراه. واذ به حديث في السياسة. ولقد عاهدتك يا عزيزي القارىء الا نتحدث في هذا المكان في السياسة عذرا!