التواضع هو من اجمل القيم الاخلاقية التي يمكن ان تتواجد في الشخص لكننا كما يبدو على وشك ان نعلن الحداد على هذه القيمة البشرية او نلغيها من المعجم اللغوي او ندرجها تحت قائمة الاشياء الآيلة للانقراض في زمننا هذا. فقلما نجد انسانا متواضعا هذه الايام او على الاقل انسانا اقل ما يقال عنه انه (كافي خيره شره) فالكل مريض بجنون العظمة الذي اصبح الآن من اكبر امراض العصر ومثل هذا النوع من الناس لا يفتح فمه سوى للتحدث عن انجازاته العظيمة واهميته الشديدة في مكان عمله. ويستهل عادة كلامه بعبارة انا لا امدح نفسي لكنني... ثم يبدأ في تعداد محاسنه وصفاته. والمشكلة ان مثل اولئك الناس يقصدون ابهارك ويستاؤون اذا لم يحقق كلامهم هذا التأثير على الغير فما يريدونه هو ان تحسدهم على ما لديهم وتظهر انبهارك واعجابك الشديد بالمكانة التي بلغوها... وقبل ان تتهمونني بالتحامل على احد سأسرد لكم بعض الامثلة واحكموا بأنفسكم. موظف (يكرف) او يكدح ليل نهار في وظيفته ثم يزعم بأنه غير محتاج اساسا لهذه الوظيفة لان لديه من الاملاك والعقارات والشركات والملايين ما يغنيه عنها لكن الامر بالنسبة له مجرد تسلية وقضاء وقت فراغ. او كاتب يعترف بنفسه بأن له اصدار واحد يتيم ومع ذلك يتصور ان اسمه بات معروفا في الاوساط الادبية الى حد ان سائق التاكسي الذي كان يركب معه كاد ان يعمل حادث سيارة حينما اخبره عن اسمه. أو موظفة تقول بأنها حرمت نفسها من الاجازات لان العمل بدونها سيتوقف تماما. متى سيفهم مثل هؤلاء الناس ان مثل هذا الكلام المؤذي للأذن يفقدهم احترام الآخرين ويجعلهم مثارا للسخرية والتندر.