لم تكن (الوحدة)مشكلة تجندت لها اقلام الباحثين والاخصائيين او الكتاب لتعالجها الا حين تعرضنا للغزو التكنولوجي ولانقلابات في مفاهيم العلاقات مع بدء الثورة الصناعية واستحداث نماذج سكنية جديدة مثل المعسكرات العمالية التي غيرت انماط العلاقات الفطرية السابقة واستمر الريف مبتعدا عن المدينة وعقدها وازماتها الى ان اصبح العالم (قرية صغيرة) بالمعنى الاتصالي, فانتشرت العدوى واتسعت الهوة الفاصلة بين الجيل القديم والاجيال الجديدة التي تنكرت في حالات كثيرة لاشكال العلاقات التي جمعت الناس قديما. ولا يخفى على احد ماجرته كل هذه التغييرات من شروخ نفسية تجلت اكثر في المناطق ذات الحركة الاقتصادية والتجارية, وظهرت المعالجات الادبية لهذه الموضوعات والفنية كذلك عبر المدارس التشكيلية او الافلام السينمائية وتباينت احوال الروابط الاجتماعية بين مجتمع واخر غير انها تقهقرت عموما وتشهد حاليا انحدارا في قياساتها البيانية تبدت في هذا الحنين الذي شكل نقطة ركيزية ومحورية في حياة الاشخاص العاديين منهم والمبدعين, ولعلها اخذت طابعا حادا في الدول التي عاشت قفزات اقتصادية وتنموية سريعة فقدت معها التوازن الطبيعي بين الاصالة والتطور. العميد المساعد لشؤون الطلاب في كلية التربية بالكويت د.محمد الثويني اكد حرصه على التمسك بما اسماه (حضارة العلاقات الاجتماعية) التي يمتلكها سكان منطقة الخليج كعرف راق فقدته المجتمعات الغربية. وقال في دورة تدريبية اقامها في مكتبة الصفا يوم الاربعاء الماضي ضمن دورات (مفاجآت صيف دبي 98) اننا نسعى لاستعادتها عبر التشديد على الاستمرارية بوسائل تعريفية مثل المحاضرات والكتيبات فقد انقطعت لدينا بصورة مفاجئة منذ حوالي 15 سنة هذه الروابط, وخفت ارتباطات الشباب بالفريج الذي كان قديما يشارك في عملية التربية والسلوكيات. ونادى د. الثويني بالعودة الى التكافل والتآخي كمفاهيم ملازمة للعرف الاجتماعي وحل لمشاكل الجيل الجديد الذي دخل العزلة وفصل قضايا الاخرين عن قضاياه فما عاد يأبه لحاجاتهم او يراعي قيمة المكان ومبدأ الجيرة وغيرها من المسائل التي قد يكون جانب الطفرة الاقتصادية وقف حائلا دونها. الغلبة للفطرة واستند في ثقته القوية برجوع (الحضارة) الى الفطرة التي تتغلب على مايناقضها والذي لايتعدى كونه قشورا تتعرى مع الوقت, وعزا رواج التكنولوجيا والعولمة الى عنصر الرغبة وسعة دائرة الاستخدام مشيرا الى الحاجة اليها في اطار المحافظة على الجديد دون افساد الاعراف والدين والاخلاق. وفي تعريفه للفرد الاجتماعي قال د. الثويني ان جميع ابناء البشر اجتماعيون مع اختلاف في الدرجات, ورد على تساؤله عن ماهية الشخص الاجتماعي بأنه القادر على التعرف على الاخرين ومشاركتهم والتأثر بهم والتأثير فيهم ومقياس الحكم عادة متفاوت نستدل عليه في مستوى انتاج العلاقات وعددها اضافة الى جماهيرية الانسان وامكانياته في الحوار. والاقناع والتأثير بآرائه وغالبا ما نجده مرغوبا ومحبوبا. وردا على سؤال عن البدائل التي تطرحها وسائل الاعلام مثل زوايا التعارف وخطوط الصداقة وغيرها لم يوافق عليها كبدائل حقيقية, اذ انها ناجحة وتعوض نقص الحنان والحب والتعليم في البيت, لكنها لا تسد مساحة الخواء الروحي, ولجأ اليها الشباب لأنهم لمسوا فيها مخرجا لفراغ في بيئتهم قادهم الى فراغ في رغباتهم الروحية, ونعت هذه البدائل بالمؤقتة التي قد تنقلب خطرا نظرا لمؤثراته ولا شك ان الشركات المستفيد الأساسي من ورائها فالبديل المنشود يبق على الاصالة ويتغير في الشكل. الهندسة والعزلة وحلل د. الثويني علاقة تطور الشكل الهندسي للمنزل بمضاعفة احتمالات عزلة الفرد وانطوائه, فأوضح ان خارطة البيت السابقة لم تتسع لأكثر من جهاز تلفزيون واحد, وحافظت غرفة النوم على مهمتها الأساسية فقط, فاقتحمتها الهندسة الحديثة ووضعت كل شيء فيها وربح الترويج التكنولوجي والحرفي على حساب الجلسات العائلية, واستنتج ان الترويج الاقتصادي عدو غير مباشر للعلاقات الاجتماعية. وعلى مدى ثلاث ساعات خصصها, يوم الاربعاء للنساء ويوم الخميس للرجال في غرفة تجارة وصناعة دبي شرح د. الثويني امكانية اعانة الابن ليكون اجتماعيا, فالسلوك نتعلمه في الطرف الآخر والبيئة, مما يلقي حمل اعداد الطفل على عاتق الأهل, فنصل الى سلوك سوي هو العرف والشرع وآخر غير سوى, وأضاف ان السلوك اما حركي أو لفظي كحالة تفاعلية مع المحيط تستثني منها الفئات الخاصة التي تعاني من اضطرابات عضوية أو نفسية. وتحدث عن الاحكام غير العلمية وغير الدقيقة التي تطلقها الأمهات في بعض المرات على أبنائهن كأن تصفهم بالانطوائية وهي مسألة تحتاج بحثا داخل الاسرة ذاتها فربما يكون الاب مجرد زائر للمنزل والأم مشغولة ترتبط بالأولاد على قاعدة تلبية الحاجات دون محاورة أو مناقشة ويصبح خيار الطفل محصورا بغرفته ويعتاد على محادثة ذاته, حيث يصدر الصبي أصواتا والبنت كلمات مفهومة وكل ذلك ناتج عن النموذج الصامت للبيت غير الحركي والفاقد للحوافز, وان ظهور الطفل متزنا وحرا في الخارج دلالة على عدم تناسب بيئته. مرئية وغير مرئية وأضاف في الكلام عن العزلة, حيث اعتبر انها تظل في الاطار العادي اذا مارسها الطفل مرة واحدة اسبوعيا وأعطت نتائج ايجابية ومحمودة وهي ما تسمى بحوار البيضة أو الخلوة والتأمل. وقسم العزلة في حالة ملحوظة جسمانية بين الناس واخرى غير مرئية نفسية واجتماعية. وقال انها لا تتشكل كاملة الا في سن 10 سنوات, غير ان جذروها تمتد الى سن ست سنوات وربما يختارها المراهق. وأضاف ان سن الهروب من البيت والتمرد واتخاذ القرارات المنفردة وتنفيذها في دول الخليج هو 16 عاما وفي أمريكا 11 عاما. واستعان برسومات ايضاحية ليفسر كيف تتكون العلاقة الاجتماعية, فهي نتاج السمع والنظر والكلام والتفكير والاشارة تصلح فيها صفة القوة والا كانت مبتورة كالعلاقة السمعية مع المغني على سبيل المثال. وطلب من الأهل اقامة علاقة كاملة مع أبنائهم. وفي تمرين حول اللجوء الى الكلمات الايجابية مثل (أحب طريقتك, أعزك ولكن, أحب تقليدك, كيف استطيع ان أساعد).. لم يظهر من الحضور سوى 2% يستعملونها مقابل 9% يستخدمون التعبيرات السيئة مثل (لا تكن تافهاً, أنت غبي, لا فائدة منك, انظر غيرك أفضل).. وتكلم عن دور الصراخ في قطع الصلة السمعية مع الابن والنظرة المستهترة في النظر. ودعا الى التفكير الايجابي الذي ينعكس على شكل الجسم وذكر مثلا ان البسمة تحرك 17 عضلة, فيما العبوس ,70 وعلق على مهمة الاشارة الايجابية التي يستغلها رجال العصابات في جذب أبنائنا الى المخدرات فينقادون مثل طير المردم. 50% .. هل تسمحين؟ وعرض د. الثويني نماذج للآثار الاجتماعية المتأتية من أساليب التعاطي, فالأب المتسلط أو الأم المتسلطة يؤثران ولا يتأثران أو المتساهلان ينقادان احيانا لطفلهما. وحذر من علاقة المجاملة التي تخفي الرفض وتبين عكس ما تبطن من مشاعر وتنتهي الى ثورة وانفجار نتيجة تراكم التنازلات, ووصل الى ضرورة توافر عنصري التأثر والتأثير بعيدا عن المجاملة, حتى نحقق الحوار المفتوح, وتبين من التمارين ان 60% من الحضور لديهن هذا الاسلوب. وطالب أولياء الامور بالاعتراف حين يخطئون مع اشعار الابناء بالمشاركة في الخطأ. وأشار الى مساهمة اللمسة في تقوية الرابط مع الابناء والتي تفضل قبلة على الرأس في منطقة الخليج, وعلى اليد في منطقة بلاد الشام. واتضح ان 50% من المتدربات يحبذن في ابنائهن عبارة (هل تسمحين؟) وفي التفاعل الاجتماعي حسبما أعلن د. الثويني خمسة أنماط هي العلاقات المقطوعة, أي الفاقدة لأي اتصال, والعلاقات ذات الاتجاه الواحد المؤدية الى الانقياد, العلاقات الخافية التي تخفي ولا تصرح, العلاقات التبادلية غير المناسبة وفيها الحوار العنيف والاخطاء الكثيرة والعلاقات التبادلية المناسبة وفيها انفعالات طبيعية وغالبية قراراتها سليمة, وفيها عنصرا التأثر والتأثير. وانتهى د. الثويني الى ان معادلة الحب بثلاث ركائز هي الاتصال والسلوك والخدمة.