في يوم 1/3/98وقفت في طابور طويل أمام متحف وقصر (الاوفيتزي) , ظننت ان الانتظار سيكون لربع أو ثلث ساعة على الأكثر, ولكنه طال حتى وصل لمدة ساعة كاملة , يقال ان الانتظار في الصيف وموسم السياح يصل في ذلك الطابور لعدة ساعات! برد خفيف, أمامي أربع فتيات كل واحدة منهن تدلك ظهر زميلتها التي تقف أمامها في الطابور لكي تبعث الدفء في أوصالها العارية. طالبة أمريكية تحدث زميلاتها عن الشاعر الأمريكي (ازار بوند) الذي تعاطف مع الفاشية الايطالية وسجن بسبب ذلك التعاطف, لم تعرفه أي من زميلاتها!! في الطابور اطفال يتغامزون وبنت تنفخ فقاعات صابونية. الجو الاحتفالي يسود ساحة قصر الأوفيتزي. بني قصر (الأوفيتزي) في المدة من عام 1560 إلى عام 1580 لاستخدامه كمكاتب حكومية للادارة التوسكانية تحت قيادة الدوق (كوزيمو مديتشي الأول) . وقد تفنن الفنان (فاساري) في تصميمه مستخدماً أفكاراً وتقنيات جديدة ومبتكرة. وعندما جاء خلفاء (كوزيمو الأول) إلى الحكم استخدموه كمكان لعرض المقتنيات والتحف الفنية التي تملكها عائلة (مديتشي) , وبذلك أصبح ذلك القصر من أوائل المتاحف الفنية في العالم. قصر (الأوفيتزي) يعج بالأعمال الفنية الرائعة والبديعة التي جمعتها أسرة (مديتشي) عبر القرون الماضية وفي عام 1737 قامت (آناماريا لوردفيكا) آخر أميرات أسرة (مديتشي) باهداء كامل المجموعة إلى شعب فلورنسا. ويزور هذا المتحف كل عام مليون ونصف مليون زائر! أكثر السياح والزوار يأتون لمشاهدة أعمال الفنان الرقيق والمميز (ساندو بوتشيلي) وخصوصا لوحة (الربيع) الرائعة و لوحة (ولادة فينوس) الجميلة وكلتا اللوحتين تزدحمان بالرموز والاشارات والمعاني المستوحاة من الأساطير الكلاسيكية وخصوصا لوحة (الربيع) ففيها نجد ربات الحسن الثلاث بأجساد لدنة رشيقة تغطيها غلالات شفافة تمثل خلود معاني الجمال والعفة والمتعة, ونرى (فينوس) ربة الجمال في رداء كامل يجسد الخجل أكثر من تجسيده للاثارة الحسية التي ارتبطت بتصوير فينوس في الكثير من الأعمال الفنية, وهنالك الفتاة التي تمثل فصل (الربيع) وهي تهرب من الشاب الذي يمثل (ريح الغرب) والربة (فلورا) بثوبها المغطى بالزهور, وفي طرف الجانب الأيسر من اللوحة يظهر (ميركوري) رسول آلهة الأساطير الكلاسيكية. وقد سهر الخلق جراها واختصموا واختلفوا وكل يدعي انه فهم سر الرموز التي قصدها الفنان بوتشيلي في لوحته البديعة والمثيرة.. يتميز متحف (الأوفيتزي) بمجموعة من اللوحات الفنية الدينية الخالدة التي ابدعتها مخيلة الفنانين في عصر النهضة مثل عذراء تشيمابوي وعذراء دوتشيو وعذراء جيوتو وعذراء فيليبوليبي وعذراء توندو لمايكل أنجلو وعذراء بوتشيلي وعذراء رفائيل... إلخ. ومن اللوحات التي تجذب الأنظار, لوحة (معركة سان رومانو) للفنان (باولو اوتشيلو) ولوحة ( البشارة) ولوحة (المجوس) للفنان (ليوناردو دافينشي) وغيرها كثير لا تفارق لوحة من تلك اللوحات البديعة إلا وأنت مرغم بضغط الوقت وكثرة المعروضات, وهذه الصعوبة والحيرة تقابلانا لدى زيارة كل متحف كبير مثل (الأوفيتزي) في فلورنسا أو (اللوفر) في باريس أو (الناشيونال جالري) في لندن أو (الكونستهستوريش) في فيينا أو (الميتروبوليتان) في نيويورك, لابد ان يقيم كل متحف من هذه المتاحف فندقًا ملحقًا به يقيم به متذوقو الفنون لمدة شهر بحيث يشاهدون كل يوم حجرة أو حجرتين فقط من ذلك المتحف, لكي يستطيعوا اشباع فضولهم الفني وارضاء ذوقهم البصري براحة واطمئنان. في ساحة (السنيوريا) المقابلة لمتحف (الأوفيتزي) كانت هنالك مظاهرة سياسية حاشدة وقد حمل المتظاهرون أعلاما ولافتات باللغة الإيطالية ومن ضمن الصور المرفوعة كانت صورة (تشي جيفارا) الثائر الأرجنتيني الذي اشترك في الثورة الكوبية وكانت له شعبية كبيرة في الأوساط الراديكالية الأوروبية والأمريكية أثناء ثورات الطلبة ومناهضة حرب فيتنام في الستينات. فلورنسا مدينة تاريخية ولكنها ليست مثقلة بأعباء الماضي مثل بعض المدن الأوروبية التاريخية, انها تعتز كثيراً بمنجزات ذلك التاريخ وتفتخر في كتيباتها السياحية بتلك الانجازات, فهي أول مدينة أوروبية رصفت شوارعها في القرنين الثالث عشر والرابع عشر, واسم أمريكا الذي اطلق على قارتي العالم الجديد مأخوذ من اسم المواطن الفلورنسي (امريكو فيسبوتشي) , والفلورنسيون هم الذين اخترعوا النظارات الطبية في عام 1317 والبيانو في عام 1711, وأول اوبرا عرضت عندهم عام 1600, وأول بنوك في العالم نشأت عندهم في القرن الثالث عشر, وهم أول من صنع (الآيس كريم) , وفي مجال الفكر والأدب والفن يفتخر أهل فلورنسا بانجازات الفنان (دوناتيلو) في النحت, والفنان (برونليسكي) في العمارة, و(ميكيافيلي) في السياسة و (جاليليو) في الفلك. ويشير مؤرخو (فلورنسا) إلى ان الأميرة الفلورنسية (كاثرين دي مديتشي) عندما تزوجت الملك الفرنسي هنري الثاني وانتقلت إلى فرنسا صدمت بالطريقة البدائية التي يتناول بها الفرنسيون الطعام وبالنوعية الرديئة لذلك الطعام فأرسلت إلى بلادها رسالة تطلب منها ارسال مجموعة من الطباخين إليها, فكانوا هم الذين أرسوا تقاليد الأطعمة والأكلات الفرنسية الشهيرة, وعلمت الفرنسيين كيف يستخدمون الشوكة في الأكل وباقي آداب المائدة. بالطبع لا أظن ان الفرنسيين يوافقون على هذا السرد التاريخي ولكن هذا لن يقلل من فخر واعجاب أهل فلورنسا بمآثر أجدادهم التاريخية. للرحلة بقية.