القصة التي رواها أخيرا الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل عن توفيق الحكيم لا تكشف فقط عن بخله الشديد وضعفه أمام المال, ولكنها تكشف أيضا عن جوانب من شخصيته,وهي تلك التي تتعلق بحياته العائلية التي شهدت الكثير من الغرائب . يروي هيكل ان الحكيم كان على خلاف مع ابنه اسماعيل, وسبب الخلاف ان الابن أحب الموسيقى واحترفها, ثم ازداد طموحه فأراد تكوين فرقة موسيقية خاصة به, وكان لابد ان يحصل على الأموال اللازمة لمشروعه من أبيه, ولأنه كان يعرف صعوبة المهمة فقد لجأ للحيلة, وظل لأيام عديدة يأتي لأبيه في كل ليلة بعشرين جنيها مدعيا أنها أجره اليومي من العزف مع الفرقة الموسيقية التي يعمل معها, وكان هذا مثار اندهاش الحكيم لضخامة المبلغ بمقاييس تلك الأيام, وكان بالطبع مبعثاً لسعادته. ثم خطا الابن الخطوة التالية فأخبر أباه انه لو كان صاحب الفرقة لحصل على الايراد كله, ويسأل الحكيم عن الايراد, فيخبره اسماعيل بأنه يصل إلى ثلاثمائة جنيه كل ليلة, وينجح الابن ويكتب الحكيم شيكا بالمبلغ المطلوب لانشاء الفرقة, وكان مبلغا كبيراً حيث وصل إلى 11 ألف جنيه مرة واحدة, وجلس ينتظر الايراد, لكن الابن أخذ الأموال واختفى. وحدثت القطيعة بين الاثنين. لكن الفرقة الموسيقية التي كونها الابن نجحت وأصبحت احدى الظواهر الفنية في ذلك الوقت, حيث التف حولها الشباب وهي تعزف الألحان الغربية الذائعة في ذلك الوقت. ويقول هيكل انه أراد مصالحة الحكيم وابنه, فكتب شيكا بمبلغ خمسة آلاف جنيه ودعا الحكيم لمقابلته, ليطلب منه أن يذهبا معا لمشاهدة الابن اسماعيل وهو يقود فرقته الموسيقية في احدى الحفلات, ورفض الحكيم الفكرة. وابدى هيكل أسفه لأنه سيضطر لاعادة الشيك إلى مدير مؤسسة الأهرام, وصحت قرون الاستشعار المالية عند الحكيم ليسأل عن حكاية الشيك, ويرد هيكل بأن المؤسسة كانت ستدفع خمسة آلاف جنيه نظير مقال يكتبه الحكيم عن الحفل الموسيقي الذي سيحييه ابنه, وبالطبع وافق الحكيم, وذهب , وصالح, وكتب, وأخذ الشيك! القصة تحمل أكثر من معنى عن بخل الحكيم, وعن تمرد الشباب, لكنها قبل ذلك وبعده , تلقي الضوء على جانب من شخصية الحكيم.. الأب, الزوج, ورب العائلة. لقد تزوج الحكيم وهو في السادسة والأربعين بعد اضراب طويل عن الزواج, وبعد ان أشاع عن نفسه لسنوات طويلة انه (عدو المرأة رقم 1) وأخذ يهاجم المرأة في مسرحياته ومقالاته, ولكن ذلك لم يمنعه من الدخول في مغامرات عديدة خاصة في سنوات الصعلكة في فرنسا, ومع ذلك ظل متشبثا بعدم الزواج ما يقرب من عشرين سنة. كان المفروض ان يتزوج في عام 1924 وقبل سفره إلى باريس, حيث كانت والدته تخطط لزواجه من فتاة ثرية. ويروي الحكيم في كتابه (سجن القمر) ان أمه أرسلت لأبيه خطابا حيث كان يعمل في مدينة أخرى تقول فيه: (اليوم حصل خبر غريب مفرح, ولكن الخوف ثم الخوف من الحمار توفيق, وعليك ان تضع له عقله في دماغه, ويقبل هذه العروسة الهدية, وأنا منتظرة حضورك لتتوجه للمجلس الحسبي قبل كل شيء, وتعرف ما هو متحوش للعروسة, وكام ايرادها بالضبط) . ولا يتم الزواج وتفتعل محاولات أخرى عديدة, ومنها محاولة شاركت فيها زعيمة النهضة النسائية هدى شعراوي. ويحكي الحكيم القصة فيقول انه في الأربعينات عاوده التفكير في الزواج ولكن لقب (عدو المرأة) الذي اشتهر به جعل الفتيات يرفضن الاقتران به, ولجأ إلى هدى شعراوي لأنها هي التي كانت قد أطلقت عليه لقب (عدو المرأة) رافعا الراية البيضاء, وقبلت هدى شعراوي ان تختار له عروسا بشرط ان يعلن توبته عن عداء المرأة , واختارت له عروسا من العاملات معها في الحركة النسائية, وقال الحكيم انه أدرك ان الزوجة المقترحة ستجعل من المنزل فرعا لحزب النساء وهو الذي ابتعد عن الأحزاب ليحافظ على استقلاله. وظهر عليه التردد فأرادت هدى شعراوي تشجيعه, فأبلغته أنها ستكتب باسم الزوجة أرضا زراعية, ولكنه هرب واستمر هاربا سنوات حتى وجد أصدقاءه من مشاهير المضربين عن الزواج يتراجعون, ويدخلون عش الزوجية ومنهم محمد عبد الوهاب ومحمد التابعي, فقرر ان يدخل معهم. وقد روى الحكيم قصة زواجه للصحفي الراحل محمد السيد شوشة فقال انه في أثناء عمله بأخبار اليوم لفت نظره بعد الترجمات التي تنشرها الصحيفة عن المسرح اليوناني بتوقيع (فيفي) وتساءل من تكون (فيفي) التي تقرأ وتترجم سوفوكليس, حتى فوجئ يوما بشاب يزوره في مكتبه ويقدم نفسه باسم (فيفي) ! وعرف انه ضابط في الجيش في رتبة كبيرة اسمه فهيم بيومي, وانه ينشر ترجماته متخفيا وراء هذا الاسم المستعار. وذات يوم التقى الحكيم بصديقه الضابط الأديب يسير مع سيدة, وسأله في زيارة تالية عنها فقال انها شقيقته, وحدثه انها مفتونة بالأدب وأنها قرأت كل ما كتبه الحكيم. وسبق لها الزواج من أحد المديرين في بنك مصر ولم يتكلل هذا الزواج بالنجاح, فانفصلت بعد ان أنجبت بنتين. والتقى الحكيم بالأخت واسمها (سيادات) لتناقشه في بعض ما قرأت وأعجب بها وتزوجها, وكانت كما قال بعد ذلك خير زوجة. أما لماذا قبل الزواج بها وهي أم لبنتين؟ فيقول الحكيم مفسرا انه فعل ذلك من أجل حريته, فسيكون عندها ما يشغلها عنه, وتتركه يستمتع بحريته! وقد أنجب الحكيم من زوجته ابنه اسماعيل الذي توفي في حياة الحكيم وهو في الثلاثين من عمره, وابنته زينب, وكان يلقي مسـؤولية تربيتهما على الزوجة كما روى بنفسه : (مرة جاءت وقالت لي: الولد عيان, فقلت لها: الله .. انت هتبتدي تقوليلي الولد عيان, الولد سخن, الولد عاوزين ولي أمره في المدرسة.. اسمعي, ماحدش يقوللي على حاجة أبدا, أنا لي شغلي .. الكتاب والقلم والورق, وأقفل على نفسي الأوضة, وأفضل أشتغل زي ما أنا عايز) . وكان الحكيم يغلق عليه باب غرفته ويعيش في معزل عن الأولاد وكانوا كلما أرادوا ان يروه يختبئون تحت سريره قبل مجيئه ثم يفاجئونه بالصياح, (فيضطر) للتحدث إليهم والاستجابة لطلباتهم. هذا الأسلوب في التعامل مع الزوجة والأولاد ربما كان السبب في ابتعاد الابن بالذات عنه, والتمرد عليه, حتى اختطفه الموت وهو صغير, فزرع الحزن الدفين في قلب الأب الذي كان ساعتها على مشارف الثمانين من عمره. وقد أخفى الحكيم خبر زواجه عن الصحف, لكنه عرف بعد ذلك, لكن الأهم هو شروطه التي ألقاها على الزوجة من البداية: الدستور بتاعي اللي حنمشي عليه في حياتنا الزوجية.. أولاً: ماتخرجيش معايا, ولا أخرج معاكي أبدا, أنا مش بتاع خروج مع مراتي, ولا أروح سينما, أنا اسمي (عدو المرأة) والناس لما يشوفوني معاكي هيقولوا: الله .. شوفوا عدو المرأة !! وقد كان .. اختفت الزوجة عن الأضواء في مصر, ولكنه كان يخرج معها إذا سافرت معه إلى أوروبا, فقد كان يصطحبها إلى المتاحف والمسارح والمقاهي في باريس, مع التأكيد على ان هذا يحدث في الخارج فقط, لأن المجتمع هناك غير المجتمع هنا, ده غير اني معروف اني عدو المرأة!! ويعترف الحكيم انه كان زوجا قاسيا, وحتى وزوجته في مرضها الأخير طلبت منه ان تسافر معه إلى باريس, فرفض بقسوة ومع ذلك فعندما اشتد عليها المرض رفضت ان تستدعيه من باريس قائلة للطبيب: بلاش تزعجه, وتخليه يقطع رحلته! ورغم ان الحكيم لم يكتب قصة زواجه إلا انه كان يعترف بأنها كانت نعم الزوجة التي تحملت نزواته وقسوته. أما الزوجة فقد تحملت قسوته, واستطاعت أن تنفذ إلى قلبه وعقله, فقد كانت قارئة ممتازة, وكانت تناقشته فيما يكتب, وكان يناقش معها فكرة كل عمل جديد, ويطلعها على ما يكتبه قبل النشر, ولا يرفض الأخذ برأيها كما قال لعينة من القراء, فالمرأة ــ في رأيه ــ ذات حاسة من نوع (الرادار) ولكنها عاطفية لا عقلانية. ولم تقنع الزوجة بهذا الدور, وأرادت يوما ان تمارس الكتابة وان تكتب ذكرياتها معه, فمنعها منعا باتا, وكان هذا أول وآخر خلاف لها معه, وبرر موقفه بأنه (لا يجب ان ترفع الستائر عن حياته الخاصة) . ولقد شجعت الأم ابنها اسماعيل على السير في الميدان الذي برع فيه وهو الموسيقى, في حين وقف الأب ضد هذا الاتجاه, ونسي انه نفسه قاوم ارادة أبيه في ان يصبح قاضيا أو موظفا كبيرا, واتجه للأدب والمسرح. وأن من حق اسماعيل ان يكون نفسه, وان ينجح بجهده وليس لأنه ابن توفيق الحكيم. وقد نجح الابن ولكنه لم ينعم بنجاحه, وصالحه الأب بسبب الشيك الذي تسلمه من هيكل وبعد ان أدرك ان ما يقدمه الابن جميل, لكن القدر لم يمهل الاثنين, ورحل الابن مبكرا قبل ان يتمتع الحكيم بصداقة الابن ويعوضه عن سنوات قاسية, ورحلت الزوجة بعد ان قضت مع الحكيم ثلاثا وثلاثين سنة لم يقل لها خلالها الكلمة التي تنتظرها.. (أحبك) ! ياه .. كم كان بخيلاً هذا الحكيم.. وربما لو أعطاه هيكل شيكا آخر لقال لزوجته الكلمة التي انتظرتها, لكن لا هيكل أعطاه الشيك, ولا هو قالها!