يبدأ المرء يومه بقراءة صحف الصباح, يمر سريعا على المانشيت والعناوين, في معظم الايام ليس فيها جديد , الهم العربي مازال في خانة الكمد, والآمال تراجعت حتى اصبح غاية المنى ان تنعقد قمة عربية, وتغلب على السطور كلمات امرىء القيس (وما الاصباح منك بأمثل) . ثم تنتقل العين إلى اعمدة الكتاب, كلام الناس والابجديات في (البيان) وحقائق ومواقف في الاهرام. بعض الكتاب تحب ان تقرأ لهم, وبعضهم تقرأ لهم دون ان تحبهم, بل ربما تلغيهم, ونحن الان في موسم الهجوم على ثورة يوليو وجمال عبدالناصر, هذا الموسم يتجدد ثلاث مرات على الاقل كل عام, مرة بمناسبة ذكرى النكسة, ومرة ثانية بمناسبة ذكرى وفاة ناصر, والثالثة بمناسبة 23 يوليو. ونحن الان في المناسبة الثالثة, فقد بدأت بالفعل حملة السباب قبل موعدها بأسبوع ونحو اسبوع, وثمة اقلام معينة لكتاب سيماهم على وجوههم, تكاد ترى ملامح اصحابها قبل ان تقرأ اسماءهم في ذيل العمود. فاذا استجمعت قدرتك على الصمود, وقرأت العمود حتى آخره ستجد ان هناك شيئا مشتركا بين كل الاعمدة التي تشن هجوما عنيفا على ثورة 23 يوليو وتأكل لحم قائدها ميتا, ذلك ان احدا من هؤلاء لم يفتح فمه بكلمة نقد واحدة ضد جمال عبدالناصر اثناء حياته, وحتى بعد ان مات بعام أو بعض عام, بل ان كلهم بلا استثناء, وحتى اكثرهم عنترية واستبسالا في الهجوم, كانوا يمجدون عبدالناصر في حياته, وبمبالغة وصلت احيانا إلى حد التأليه, ولم تتفتح طاقاتهم العدائية الا بعد ان تبين لهم ان الهجوم بل التهجم على عبدالناصر وهو في قبره اصبح افضل طريق للتقرب من ورثته الذين تربعوا على عرش السلطة من بعده. وباستثناء هذا القاسم المشترك ستجد لاحقادهم اسبابا مختلفة. بعضهم ــ مثلا ــ له قرون استشعار يعرف بها من اين تهب الريح, ومن اين تؤكل الاكتاف, ولذلك فهو يتاجر بالعداء لعبدالناصر الان مثلما كان يتاجر بالولاء له في سالف الايام, ويعتبر ثورة يوليو اليوم ـ بعد 46 عاما ـ كارثة منيت بها مصر والامة العربية, بالحماس نفسه الذي كان يصفها به من قبل بأنها اعظم حدث في تاريخ العرب والمسلمين منذ امجاد صلاح الدين!! النوع الثاني من اعضاء جمعية الهجوم على ثورة 23 يوليو قد يكون له عذره, فقد كان الواحد منهم قبل الثورة له وضعه ومكانته على قمة الهرم الاجتماعي الذي جاءت الثورة فقلبته رأسا على عقب, فإذا به يجد نفسه في القاع, متساويا مع بسطاء العمال والفلاحين الذين عاش شبابه وهو يعتبر نفسه, واشباهه وكأنهم عينة أرقى من هؤلاء (الرعاع) كما كان يسميهم هو واهله من طبقة الباشوات ومماليك ما قبل الثورة. هؤلاء, نستطيع ان نفهم, وربما نقدر اسباب حقدهم على الثورة التي سلبتهم ارضهم, وحرمتهم من امتيازات ورثوها ابا عن جد, وإذا كان يؤخذ عليهم ان احدهم لم ينطق بكلمة احتجاج قبل غياب شمس يوليو, فان هذا قد يعزى إلى حالة الخوف التي احاطت بهم فشلت السنتهم, كما شلت ارادتهم. غير ان النوع الثالث من حملة الخناجر التي يطعنون بها ذكرى الثورة وقائدها فلا عذر لهم بالمرة. انهم اولئك الذين انتفعوا بالثورة كما لم ينتفع بها احد .. وكانوا مطحونين في قاع السلم الاجتماعي فرفعتهم الثورة إلى رأسه, ولولا مجانية التعليم التي فتحت الابواب (للرعاع) لينالوا ارقى الشهادات لعاشوا مثلما ولدوا, جهلة, ومعدمين, لا حس لهم ولا خبر. وقد يتساءل المرء, وهو يقرأ ما يكتبون, عن السبب في انضمامهم بمحض اختيارهم إلى جوقة الحاقدين, فلا يجد سوى تفسير واحد, هو انهم, وقد اصبحوا اساتذة في الجامعات, يتنكرون للطبقة التي ولدوا فيها, وكانوا دائما يعتبرون الانتساب لها اهانة, ودليل ضعة, ولذلك فهم اليوم يتبنون افكار ومواقف طبقة (اولاد الاصول) الذين يحق لهم معاداة الثورة عسى ان ينسى الناس من أين أتوا... وكيف أصبحوا. أعرف شخصيا واحدا من هؤلاء... كان قبل الثورة يعمل كمساري اوتوبيس والذين عرفوا القاهرة في تلك الايام يعلمون جيدا حجم المعاناة التي كان يعانيها ركاب الاوتوبيس لمشوار قصير لا يطول الا بضع دقائق. فمابالك بالكمساري الذي يقضي فيه طيلة اليوم محشورا بين الركاب الواقفين... ونتصور معا أي شظف من العيش كان يضطره الى كل ما يقاسي كي يكسب قوت يومه. ثم جاءت الثورة... فأتاحت له ان يتعلم وهو يعمل, ولاشك انه كان يتمتع بموهبة, وبقدر غير قليل من قوة الارادة, ولكن, هل كان هذا يكفيه لكي يرقى السلم بسرعة, حتى يحصل على الدكتوراة ويصبح استاذا بالجامعة لولا الفرصة التي اتاحتها الثورة؟ هذا الدكتور, لا تكاد تجد صحيفة او مجلة في مصر الا وفيها مقال بتوقيعه يكيل فيه الشتائم للثورة و قائدها وافعالها. والذي لا نزاع فيه ان ثورة 23 يوليو كان لها سلبيات تستحق النقد والهجوم... ولكنها على أية حال ليست في حجم سلبيات الثورة الفرنسية ــ على سبيل المثال ــ ولا جناح على أحد اذا تناول هذه السلبيات بالنقد, بل حتى بالتجريح. اما ان يتناول هذا الكاتب وأمثاله كل ايجابيات الثورة بالهجوم, ويعددها في اطار السلبيات التي لا تغتفر... اما ان يعتبر تأميم شركة قناة السويس جريمة نستحق من أجلها ان نخرج جثة عبدالناصر من قبره حتى نحاكمه وندينه... واما ان نعتبر مجانية التعليم سبب كل المتاعب التي يعاني منها الشعب المصري... واما ان نعتبر اسقاط النظام الفاسد عدوانا على الشرعية وجريمة في حق الدستور... واما ان يقال عن السد العالي انه حرم المصريين من نعمة السردين الذي كان يتغذى على طميه عند مصبات النيل... واما ان نعتبر الاصلاح الزراعي سرقة وافتئاتا على الملاك اصحاب آلاف الفدادين... واما ان يكون الموقف المعادي للاستعمار طيشا وحماقة وجنونا.. نقول اما ان يكون كل هذا واشباهه في رأي الاستاذ الدكتور اياه جرائم... ينبغي ان يتفرغ لادانتها, وفضحها والتنديد بها ليل نهار فهذا لا يعتبر فقط انكارا للتاريخ, وانما هو استهانة بعقل القراء الذين يفتتحون يومهم كل صباح بهذا الافتراء.. وهكذا تحولت استراحة البيان اليوم الى مقال سياسي... فعسى ان يسامحني قرائي... فقد غلب على قلمي اننا سنحتفل بعد يومين بذكرى 23 يوليو..