لا اذكر اسم الشاب الامريكي الذي ارتبط اسمه بقضية طريفة كانت حديث الناس في نيويورك في الفترة الاخيرة , اصل الحكاية ان (المذكور) خف إلى توصيل احد الطلبات إلى منزل زبون, وكان على متن دراجته التي لا يخفى عنك منظر راكبيها يذرعون شوارع الحاضرة الامريكية الكبرى وقد اعتجروا و(الكلمة فصيحة فلا تخف منها) لاهثا ايضا, إلى دراجته يريد تثبيتها في موقع محدد ووقايتها من غوائل اللصوص, تلفت من حوله فألفى شجرة وكان ان لف جنزير الدراجة إلى جذعها وانطلق هادئا مطمئنا, كما يقول طه حسين, إلى ان انجز مهمة التوصيل, ولا ندري هل كان البقشيش سخيا يسعده ام كان ــ على عادة الامريكان ــ بخيلا يشقيه هذا ان دفعوا اكرامية على الاطلاق. وصل صاحبنا إلى موقع الدراجة فإذا بشرطي عابس واقفا يترقب وإذا بتهمة توجهها الحكومة إلى مواطنها الغلبان ومؤداها: انه جرح مشاعر الشجرة واساء إلى كيانها وخدش جذعها وربما آذى مشاعرها, ومن يدري ــ يسترسل الاتهام ـ هل ستواصل الشجرة خدماتها لمواطني ولاية نيويورك من حيث الظلال أو الثمار أو تجميل المنظر العام, اللاندسكيب كما يقول مخططو العمران, أو ان لفات الجنزير قد اصابتها ـ الشجرة حتى لا ننسى ــ بجراحات مادية ونفسية لا يعلم سوى المولى عز وجل كيف تندمل وحتى تصير إلى التئام. وليس لك ان تتصور اننا نبالغ, اللهم الا حبكة الحكاية ومحاولات الفصاحة من جانبنا ليس الا, فالحقيقة ان قاضي الناحية النيويوركية اخذ المسألة, أو بالادق القضية, على محمل الجد الشديد وامعن النظر في الموضوع ثم اصدر حكمه الذي مازال الناس يتداولونه ويتناقلونه بين العجب والاعجاب, والحكم يقول: حكمنا على المتهم فلان بن فلان وصفته كذا ومقيم في محل كذا, بأن يقوم بالتالي في محضر من شهود عيان كي يكون عبرة لمن يعتبر, ان يتقدم إلى الشجرة المجني عليها, ويفرد ذراعيه قدر ما يستطيع ثم يضمها بين ساعديه, يحتضنها, ويطبع قبلة الندم على جذعها المصاب ثم يعلن بصوت يسمعه الحاضرون اعتذاره للشجرة وتوبته عما ارتكبه في حقها من اخطاء. وهذا بالضبط ما فعله المتهم الامريكي الذي لا نذكر له اسما ولا نستطيع ان نضعه حيث وضعه الله بين فئات البشر من الخطائين التوابين على رأي طه حسين مرة اخرى. وبمعنى آخر, فعل الرجل ما سبق ورسمت به المطربة سلامة في فيلم ام كلثوم الشهير: ان يبوس الجدم (القدم) ويبدي الندم على غلطته في حق.. الشجرة المغروسة في ناحية من نواحي نيويورك. مع ذلك فبين مشاعر العجب التي راودتنا ازاء ما تصورناه مبالغة في التصرف او افراطا في الاستجابة (اوفر آكشن) كما يقول الامريكان وبين مشاعر الاعجاب التي تسللت الى نفوسنا ازاء قاض محترم ولا شك قد يكون من حماة البيئة او متذوقي الجمال الرباني متجليا في اعطاف الطبيعة من طير وشجر ومن انهار وغابات وقد يكون من دعاة التربية المجتمعية يود لو يلقن الناس درسا في احترام التراث البشري العام ولو جاء ممثلا في شجرة.. بين هذا كله فقد انطلقنا في تأمل عميق وتدبر واسع خليق بكبار المفكرين (!) يحاول ان يعي الدرس الكبير المستفاد من الواقعة المتناهية الصغر والبساطة التي سقناها اليك في مطالع هذا الحديث. واول معالم هذا الدرس المستفاد هو احترام الموارد من احياء ومن جماد التي خلقها الله عز وجل وسخرها من ثم لخدمة الانسان الذي يدعو بالشر حينا ودعاؤه بالخير في بعض الاحيان. وكم يروع الخاطر حين يستدعى الى الذاكرة ما علمنا اياه الرسول عليه الصلاة والسلام حين قال للبشرية ما معناه (استوصوا بعماتكم النخل) الله اكبر! أرايت الى مثل هذه الصلة من الرحم ومن ثم التراحم. هذه المؤاخاه بين الانسان والنبات؟ ولا تظنن ان مثل هذا الاثر الشريف قد خاطب قوما بعينهم يعيشون في بيئة صحراء. ها هو امير شعراء زماننا احمد شوقي يصف ثمار النخيل في بيت جامع كان معلمونا طيب الله ثراهم يحرصون على ان نردده بالدرس والفهم والحفظ والتسميع: قال شوقي يصف التمر طعام الفقير, وحلوى الغني وزاد المسافر والمغترب ثم تعال الى وصايا الرسول وخلفائه الراشدين وهم يصدرون آخر أوامر التلقين الحربي, كما يقول العسكريون الى قواد اجنادهم اذ يتهيأون الى خوض حروب التحرير الاسلامية في الغزوات حيث يحذرونهم من ان يقتلوا الأطفال أو النساء أو الكهول, أو يحطموا صوامع الرهبان المنقطعين للعبادة في جوف الصحراء - ثم يشددون في النهي والتحذير قائلين: (ولا تقطعوا شجرة) ثم هاهو النبي صلى الله عليه وسلم يوصي البشر بأن يغرسوا فسائل الأشجار الصغيرة حتى ولو كان بيد كهل يوشك على الرحيل من الدنيا, حتى ولو كان الموعد قاب قوسين أو أدنى من حلول الساعة. هكذا تؤدي الشجرة دورا جوهريا ملحميا كما قد نسميه في حياة البشر .. ابتداء من شجرة المعرفة التي عاصرت آدم عليه السلام وزوجه وليس انتهاء بدور الشجرة في حفظ التوازن الحيوي فوق كوكب الأرض - توازن الدورة المائية بفضل غابات الأمازون. ولقد قيض الله لنا - كاتب السطور - ان نزور هذه الأصقاع الأمازونية في ولاية ميناؤوس في قلب البرازيل, هنالك تروعك عبقرية الخلق ما بين نهر الأمازون ومياهه تمتد الى حيث لا حدود .. وبين غابات المنطقة شبه الاستوائية تجوس بين أدغالها وتلامس أحراشها وتلتقي بسكانها الأصليين لايكادون يعرفون شيئًا عن العالم الخارجي, وتكاد في هذا كله ترفع الى الشجرات البواسق وإلى أغصانها الملتفات وإلى ورقاتها الداكنة الخضرة شعائر تبتّل واعتراف بالجميل, جميل خالاتنا أشجار الأمازون ولقد يأتي علينا حين من الدهر فنحكي لك عن مغامراتنا في صيد التماسيح من زوارق مخصوصة تذرع مياه الأمازون ولايذهبن بك الخيال إلى انها كانت مغامرات على طريقة منازلة الحوت الكبير في رواية (هوبي دِكْ) التي ابدعها هيرمان ملفيل أو على طريقة الروائي آرنست همنجواي في صيد الوعول أو السباع في احراش أفريقيا, المسألة اكثر تواضعا من ذلك بكثير, لقد كان التمساح الذي شاركنا في صيده, وحرصنا على ان يلتقطوا معه صورة (تاريخية مظفرة واحدا من تماسيح امريكا اللاتينية المعروفة باسم (الليجاتور) الصغيرة الحجم ويبدو ان تمساحنا التاريخي كان لفرط هزاله آخر العنقود من أسر تلك التماسيح اللاتينية لكنه كان تمساحا حقيقيا في كل حال.