منذ نحو شهر او اكثر وهناك من يتصل بي لاشارك في مكان ما داخل البلاد او خارجها في الاحتفال بذكرى ثورة يوليو, وهذه ظاهرة جديدة في كل النواحي. فلقد كان الاحتفال بها بعد وفاة جمال عبدالناصر له سمات خاصة ولم يكن له هذا الوجه الشعبي . اما بالنسبة لي فلم اكن من المشاركين في هذه الاحتفالات ولا حتى بالحضور, وكنت اجنب نفسي أية مشاركة سياسية. وعندما بدأت الكتابة وكان ذلك منذ زمن طويل ادركت ان في الكتابة مقتل صاحبها, فنحن امة تدرك قيمة الكلمة, وربما لهذا فهي تقتل الكتاب والشعراء منذ امرئ القيس والمتنبي وعبدالله بن المقفع الى عصرنا الحديث بقوائمه الطويلة. ولأنني اوثر السلامة فلقد تجنبت الحديث في السياسة والمشاركة في أي نشاط سياسي, ولكنك عندما تكتب لا تستطيع ان تتجنب همومك القومية, ومن هنا كان التناقض حاداً ولقد ظللت سنوات طويلة اكتب فقط دون محاولة نشر اي رأي في اية قضية سياسية, ولم يكن ذلك للحقيقة ايثارا للسلامة فحسب, بل كان في اعتقادي لأن الكاتب ليس من المفروض ان ينسى اعماله, فلقد قال من خلال النص الادبي كل ما يريد قوله, وانه لو اراد الاضافة لفعل وان مهمة النقاد بعد ذلك هي تفسير العمل. وكانت تلك قناعتي حتى اواخر السبعينات عندما واجهت موقفا اثار ارتباكي, فلقد كتب كاتب هنا في الامارات عن مسرحية لي بعنوان (الفخ) وفسر ما رآه فيها من رموز ووصفني على استحياء بانني ماركسي. ودعك من دهشتي فلم يكن في المسرحية ما يوحي بالتمركس! المشكلة لم تكن في هذا بل في انه في نفس الوقت قال كاتب سوري انني من الاتجاه الاسلامي وكان التعبير آنئذ يعني الاخوان المسلمين, ودلل على ذلك بنصوص من مسرحية (حفلة على الخازوق) واذا كنت تذكر المسرحية كانت للاسماء دلالة واضحة, فلم يكن يحمل الاسماء فيها الا شخصان هما من الذين أوقعهم سوء حظهم في شباك مأمور السجن الذي يبحث عن متهم ليتقرب به الى الوالي, مدعيا انه يتآمر على حياته ثم عند صديقته التي تحاول انقاذه من السجن نتعرض لما نسميه الآن بالتحرش الجنسي, وشكرا للرئيس الامريكي لأنه اضاف هذا المصطلح الى قاموسنا. وعند التحقيق مع حسن يسأله مأمور السجن عن عائلته فيقول انه من عائلة (محمد) والمغزى المقصود انه من الاغلبية الكبيرة, وانه لا شيء يميزه حتى في الاسم, ولكن صاحبنا الكاتب رأى فيما كتبته دليلا على اتجاه اسلامي واضح. وتخيل نفسك ماركسيا اسلاميا في وقت واحد. وازعجني هذا من زاوية واحدة هي انني لست مفهوما ككاتب, ولم يكن يعنيني سياسيا ماقيل, ولا اكتمك الصدق انني قد اكون ما قاله الكاتب فمنذ وقت طويل قررت الا اضع نفسي تحت اية راية, وان تكون لي كما قلت في مسرحية اخرى رايتي الخاصة. اتفقت مع نفسي ولا ادري هل نجحت في ذلك ام لا, ان اقبل على كل موقف باجتهادي الخاص, واحاول تفسيره من زوايتي, والا استعيد اي تفسير من نظرية او من ناقد او من كاتب او من حزب. ولا ادعي انني نجحت في ذلك, ولكنني فعلا حاولت ذلك بدأب شديد. ومنذ هذه الازمة التي وضعتني في مكانين في وقت واحد, قدرت ان احاول شرح ما اكتبه في بعض اللقاءات الصحفية والتلفزيونية والاذاعية ولا ادري هل كان ذلك خيرا ام شرا. وبعد فيلم (ناصر 56) تم تصنيفي بين الناصريين وهي تهمة لا انفيها وشرف لا ادعيه. ولاول مرة دخلت مدعوا الى مبنى الحزب الناصري واخذت اشارك في الندوات الخاصة بالمرحلة الناصرية, وبينها ثورة يوليو واضيفت صفة الى الصفتين السابقتين, ومن يدري فقد تضاف صفات اخرى. وتحدثت الي منذ وقت مبكر السيدة هدى حجازي المسؤولة في متحف احمد شوقي لتدعوني الى المشاركة في الاحتفال بذكرى ثورة يوليو, فا ستمهلتها لارجع الى دعوات سابقة بينها مثلا دعوة قرية صغيرة لا اذكر اسمها الان, ولكن الشاب الذي اتصل بي قال لي فخورا: نحن القرية المصرية الوحيدة التي وضعت في قلب القرية تمثالا لجمال عبدالناصر. ولكن السيدة هدى هونت عليّ الامر قائلة انها قررت ان تقيم الاحتفال يوم 21 حتى تتجنب التزاحم بين جهات مختلفة. وبعدها بقليل اتصل بي عبدالغفار عودة وقال لي بصوت جاد: انت متهم بانك كنت ضد ثورة يوليو ثم ايدتها! فلما حاولت ان اشرح له وجهة نظري قاطعني: لا تتكلم الآن قل وجهة نظرك في الندوة. واذ به مخرج الحفل واختار اطار الاتهام ليقدم الندوة من خلاله. وتأملت الجدول المليء, ودفعني هذا الى تأمل اشياء اخرى وتساءلت هل تحولت الى درويش من دراويش الناصرية؟! انني اراهم واحس بغصة فهناك (اراجوز) من الممثلين يذهب الى اي مكان بمونولوج تمثيلي جمعه من قصاصات الصحف, يتحدث باكيا وضاحكا وساخرا, فهو ممثل كما قلت, يبدأ من جاهلية الدنيا حتى جاءت ثورة يوليو فاضاءت النور للبشرية!! وهناك (اراجوز) آخر طالته يد السلطة ايام السادات فحديثه عن ثورة يوليو هو هجوم شرس على الرئيس السادات, وانا من الذين يحترمون كل وجهات النظر, الا اذا كانت وجهة نظر شخصية, دافعها المصلحة الخاصة وتصفية الحسابات. وهناك دراويش كثيرون يرون كل ما يحدث بمنطق 1967 وما قبلها, في حين ان احد المواهب الكبرى في جمال عبدالناصر قدرته العبقرية في مواجهة كل موقف بما يحتاجه ويستحقه دون القياس المتعنت على معرفة سابقة. على اي حال اتى موسم يوليو, وسنتكلم ويتكلم الكثيرون وبالتأكيد سيحس من هم في سننا بالحنين الى تلك الايام, واحب ان اؤكد ــ ولعل لا احد يغضب ــ انها لم تكن افضل الايام, ولكننا كنا نمتلك فيها اعظم ما امتلكنا وهو المشروع القومي. كانت فكرة القومية او الحديث عنها يلهب مشاعر الناس, وانا من الذين حضروا الهتاف المحموم للوحدة المصرية ــ السورية في ميدان التحرير الناصري, ورأيت لأول مرة وربما لاخر مرة حالة من البكاء الجماعي فرحا بهذه الوحدة. تصور الآن خطيبا على منصة يتحدث عن القومية العربية لابد انه سيتعرض الى السخرية فان لم يكن سيتعرض الى اللامبالاة لقد صارت فكرة القومية العربية فكرة متحفية! والعدالة الاجتماعية تعبير لم يعد في القاموس, الثاني موضة الخصخصة, واذا كنت مع الخصخصة ولابد ان تكون, واذا كنت ضدها ولابد انك عندئذ تكون متخلفا عقليا, في الحالتين الحديث عن العدالة الاجتماعية امر يصيب الناس بحمرة الخجل! واتوقف هنا لاتحدث في موضوع اخر تماما, لعلك تحتمله, فهذا انقلاب من الساخن الى البارد او العكس. وعن موضوع الكتابة وكيف نكتب. وانا اكتب مرة واحدة, ولا اسمح لاحد بقراءة ما اكتب حتى ينتهى. ولكنني لم اكن قد اتممت (الاستراحة) حين تطفل صاحبي وقرأ المقال خلسة, ثم قال لي لقد تحدثث عن دراويش الناصرية, فلماذا لم تتحدث عن دراويش العداء للناصرية. فظننته امتع من الاشارة العابرة اليه. ومن طبيعة الاشياء ان الاحداث الكبرى تجد من يجني حماسا لها, ومن يكرهها الى حد العداء الكامل. اذكر انه كانت بيني وبين احد اساتذة الجامعات السابقين صلة عمل. وكنا نلتقى ونتبادل الاحاديث, فاذا قلت: ياه.. الدنيا حر اليوم! قال: طبعا لان عبدالناصر هو الذي سمح ببناء هذه العمارات الاسمنتية الضخمة. ومنذ ذلك الوقت تحولت القاهرة من مدينة لطيفة المناخ الى مدينة حارة جدا. واذا تأخر احدنا عن الموعد, قال: طبعا فالمدينة مزدحمة لان عبدالناصر لم ينشىء اي شيء الا لامجاده الخاصة. وعندما يأتي ذكر السد العالي يقول بلهجة الخبير رغم انه متخصص في الاثار الفرعونية: السد العالي هو كارثة مصر الاولى والاخيرة, وبطمره يعتدل كل شيء! وذات مرة كنا نتحدث في مشروع العمل عن الفرعون المشهور اخنتون اول من دعا الى التوحيد, وكان مفكرا رائعا. وكيف انه لم يستطع الدفاع عن مملكته لانشغاله في مشروعه الثقافي. قلت له بعد ان فاض بي الكيل انني اعتقد ان سبب كارثة اخنتون هو اسلوب يونيو والهزيمة التي تسمى نكسة! وهزّ الاستاذ رأسه موافقا وقال بحماس شديد: رأي غريب لكنه صحيح مائة في المائة! واثناء لقاءاتنا عرض فيلم (ناصر 56) فسألني عن اسمى الثلاثي او الرباعي, فلما سألته مندهشا عن السبب قال لتغير اسمك فاسمك متشابه مع هذا (المأجور) الذي كتب هذا الفيلم! فلما قلت له انني فعلا هذا (المأجور) . رفض ان يصدق. ويشهد الله انني لم اكن مأجورا من احد حتى من الجهة الانتاجية التي لم تدفع اجرى حتى الان. وبالطبع لن تفعل! هذا واحد من دراويش معاداة عبدالناصر, ولن اذكر من يعرفهم القارئ مثل ذلك الكاتب الكبير الذي يكتب احيانا في غير شتم عبدالناصر وما فعل. وذلك الدكتور الذي انقلب من مدح عبدالناصر ونظامه الى الهجوم على هذا النظام. وربما بمناسبة اقتراب 23 يوليو حدثني (شاكر فضله) وبالطبع هذا ليس اسمه. لكنه اشتهر به لشكره المسؤولين بمناسبة وبغير مناسبة. وقال لي: هل قرأت مقال فلان اليوم. وهو كاتب كبير لا يقرأه احد. ولما قلت له انني لم اقرأه مثل غيره. رجاني ان اقرأه فقرأته فإذ به رسالة وجهها (شاكر فضله) الى الكاتب الكبير. ولما عاد وسألني هل لاحظت. ولم اكن قد لاحظت شيئا قال لي لقد كتبت انقلاب يوليو ولم اقل ثورة يوليو! بماذا تحس عندما ترى الدنيا كلها في واد, وانت في واد آخر؟!